وقيل : إنما ينطق بجميع لسانه ، يقال : كل كلام ابن آدم عليه لا له غير أربع : ذكر اللّه ، وأمر بمعروف ، ونهى عن منكر ، وإصلاح ذات البين .
ويقال : كان عمر بن عبد العزيز إذا خطب واستحسن خطبته قطعها ، وإذا كتب الكتاب واستحسن عبارته فيه « 1 » خرقها ورمى بها لمعرفته بأفات الكلام « 2 » .
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت » .
وقيل : المخلص من يعد كلامه عدا ، ويميز بالكلام ، ويفقد بعد الكلام .
ويقال : في اللسان ستة وثلاثون نوعا من المعصية ، مثل : المداهنة ، والنفاق « 3 » ، والتزين ، والجدال ، والمراء ، والخصومة ، والقذف ، وشهادة الزور ، واليمين الفاجرة ، والغيبة ، والكذب ، والبهتان « 4 » ، والنميمة ، واللجاجة ، والمدح ، والذم ، والسحر ، والكفران للنعمة ، والمعصية بالباطل ، وما يطول بذكره الكتاب ، فمن سكت فقد أغلق على نفسه ستة وثلاثين بابا من أبواب المعصية ، فيا لها من ربح .
وقيل : من تكلم بكل ما يريد لم يتورع في كلامه ، ومن أكل ما يشتهى لم يتورع في طعامه ، ومن نام بالليل أكثر من ثلاثة أرباعه ، لم يتورع في منامه ، ومن زاد ثمن كسوته [ عن ] أربعين درهما ، لم يتورع في كسوته ، ومن رفع بنيان بيته على ثمانية أذرع ، لم يتورع في بنيانه ، ومن علا صوته عند ضحكه ، لم يتورع في ضحكه .
وقال : من سمع الكلام ليتكلم [ به ] مع الناس ، رزقه فهما ليكلم به الناس ، ومن سمعه ليعامل اللّه به في فعله ، رزقه اللّه فهما يناجى به ربه .
الوجه الخامس : هو إخلاص الأخلاق باتباع مرضاة الملك « 5 » الخلاق ، كما قال
هامش
( 1 ) في الأصل : فيها .
( 2 ) هذه سنة الصوفية ، لا يعتبرون كل كلام للنفس فيه مدخل ، وكان الأستاذ الخواص في تربيته للإمام الشعراني يأمره بإبادة ما يكتب في أول أمره ؛ لأن فيه أثر النفس ، فهم يريدون أن يكون العلم كله بعيدا عن النفس ، فإذا كان خالصا من القلب هجم على القلوب ، ومن هنا سر التأثر البالغ بكلام كبار رجال التصوف دون غيرهم .
( 3 ) الفرق بين النفاق والمداراة أن النفاق إظهار ما ليس في الباطن لجلب منفعة ، أما المداراة فإنها إظهار ما ليس في الباطن لدفع مضرة ، ومن المداراة قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنا لنبش في وجه قلوب قوم ، وإن قلوبنا لتلعنهم » .
( 4 ) البهتان نوع خطير من الغيبة ، وهو ذكر المرء بما يكره وبما ليس فيه .
( 5 ) في الأصل : ملك .