الذر من العدم إلى الوجود ، أوقفهم في الظلمة ، ثم رش عليهم من نوره رشة ، وركب فيهم نور [ ا ] به اللطائف الثلاث : ذهن الروح ، وفهم العقل ، وفطنة القلب ، فصاروا ذوى « 1 » سمع ، وبصر ، وفهم ، ومنطق ، تقع الحجة على أمثالهم ، ثم دعاهم إلى نفسه ، وألزمهم العبودية لنفسه وحده ، فطائفة نظروا من النور ، فاختلط عليهم الأمر ، فعبدوا الظلمة ، وقوم نظروا من النور إلى النار ، فاختلط عليهم الأمر فعبدوا النار ، وقوم نظروا من النور إلى الملائكة ، فاختلط عليهم الأمر فعبدوا الملائكة ، وقوم نظروا من النور الذي كانوا فيه إلى النور الذي كانوا فيه « 2 » ، فوقعوا في بحور التشبيه ، فاشتركوا في العبودية مع اللّه ، تعالى اللّه عما يقولون ، [ فعبدوا ] عيسى وعزيرا ، عليهما السلام ، وقوم دعابهم الجليل فلم ينظروا إلى قاطع ، ولم يشغلوا بمانع ، بل نظروا من النور إلى نور النون « 3 » ، فأقروا بالربوبية ، وأخلصوا بالوحدانية ، وأذعنوا خاضعين بالعبودية ، فهم الذين عبدوا اللّه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون .
قال : ولقى حكيم حكيما ، فقال له : هل تحب لقاء اللّه ؟ قال : نعم ، قال : ولماذا تحب لقاءه ؟ قال : لأصل التخيير ونفيا للتهمة « 4 » ، وذلك أن اللّه تعالى لما اختار في الأصل دين الملائكة والنبيين ، ثم مع هذا بارزته حتى كدت أن أقنط من رحمته ، فهذه [ هي ] التهمة بعد علمي بالتخيير ، ثم قلت : ترى أن الذي أحسن إلى في أوله يسئ إلى في آخره ؟ فرجوت أنه لا يفعل ذلك ، فأحببت لقاءه لنفى التهمة ، فقال له :
أحسنت ، فانظر بقلبك يا مغرور كيف خلصك الملك الغفور من عبادة النار والنور ، ونجاك من الآفات والشرور ، ووفقك للصواب من رش النور ، فيالها من نعمة لا يؤدى شكرها في الأيام والليالي والدهور .
والوجه الثاني : هو إخلاص الدين من الفرق ، والشيع ، والأهواء الفاسدة ، والبدع المضلة ، وقد أخرج اللّه تعالى أهل البدع من جملة المسلمين ، وجمهور الأمة ،
هامش
( 1 ) في الأصل : ذوات .
( 2 ) أي نظروا من النور الذي كانوا فيه وقت أن رش اللّه عليهم من نوره إلى النور الذي كانوا فيه قبل أن يخرجهم اللّه على هيئة الذر ، أي نور العلم الإلهى ، ووقعوا في التشبيه لما اشتبه عليهم النوران .
( 3 ) والفرق بين هؤلاء وبين سابقيهم ، أن النوع الأخير نظر من نور الرشة إلى نور النور ، وهو اللّه تعالى ،اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أما من قبلهم ، فنظروا إلى نور العلم ، أي أن النوع الأول نظر إلى نور الصفة ، والنوع الثاني نظر إلى نور الذات .
( 4 ) في الأصل : وإنفا التهمة .