تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم القلوب — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧

باب صفة الإخلاص وطبقات المخلصين بالقلب

الإخلاص هو فرائض الدين ، وبه يتم الإيمان للمؤمنين ، وهو معروف في شريعة المسلمين ، وهو لباب الأعمال ، ومنال ذي الجلال ، والعمل بغير إخلاص ، كالجوز بلا لباب ، والجسم بلا روح ، وكالشجر بلا ثمار ، وكالغيم بلا مطر ، وكالمولود بلا نسب ، وكالبذر بلا نبت ، والجوز بلا لباب لا يصلح إلا للعب الصبيان ، والجسم بلا روح لا يصلح إلا للدفن بين القبور ، والشجر بلا ثمار لا يصلح إلا للحرق بالنار ، والغيم بلا مطر لا ينتفع به من البشر ، والمولود بلا نسب لا يدفع إليه عند الميراث ذرة من المتاع ، والبذرة بلا نبات تسخن به عين الزراع يوم الحصاد والبيدر ، فلو أن جسما ملأ الدنيا تعبا من شرقها إلى غربها ، ولم يكن فيها روح ، لم يؤنس بقربه ، ولم ينتفع به ، ولا ترجى بركته ، ويتغير بطول المدة ، وتزدحم عليه الكلاب ، وتطمع فيه الهوام والطيور ، ولا يجعل له من القيامة ذرة ولا حبة ، وإن كان قد ملأ بين الخافقين عظيم جثته . ولو أن مولود ذا روح انفصل من رحم أمه ، لم يملأ من المكان إلا موضع شبر وجد الأنس بقربه ، وفرحت القلوب بظهوره ، واستبشر أهل البيت والجيران بوجوده ، وعظم الرجاء لنيل بركته في وقت صغره ، وكلما طال به الأيام ازداد جلادة في قلوب الأنام ، وهرب منه الذر ، والطيور والهوام طائرون من حركته ، ويجعل له يوم القيامة اثنا عشر ألفا ، فهذه في فرق واحد من الحكمة بين العمل الذي قد زين بالإخلاص ، والعمل الذي قد عرى منه وقبح بالأسقام ،
وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 247 ] ،
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
[ البقرة : 105 ] . وأما الإخلاص ، [ ف ] يدور على أوجه خمسة : إخلاص الملة من بين جملة الملل ، وإخلاص الدين والقيم من الشبع ، والأهواء ، والبدع ، وإخلاص العمل من دقائق الآفات وخفايا العلل « 1 » ، وإخلاص الأقوال من اللغو والباطل والمحال ، وإخلاص
هامش
( 1 ) يحسن هنا أن نفصل مسألة السماع ؛ لأنها في طريق التصوف من أمهات العلل والآفات . قال سيدي أحمد زروق : الواجد إن لاحظ معنى في وجده أفاده ، أو علما ، أو عملا ، أو حالا ، مع ميله للسكون والاستلقاء ظاهرا ، فوجده من الحقيقة والمعنى ، وإن لاحظ الوزن ، والألحان ، فطبيعى ، لا سيما إن أعقبه اضطراب واحتراق في النفس ، وإن لاحظ نفس الحركة فشيطانى ، سيما إن أعقبه اضطراب وهوشة في البدن ، واشتغال ناري ، فلزم اعتبار ذلك بوجه من التحقيق تام ، وإلا فترك سببه أولى . راجع قواعد التصوف ( ص 50 ) القاهرة . وقال الشيخ الأكبر : إن سماع النفس لا يأتي بعلم البتة ، وسماع العقل لا تكون معه حركة ، فمن جمع بين الحركة والعلم فهو كاذب جاهل بالحقائق . راجع التدبيرات الإلهية ( ص 224 ) ليدن . -