وقال بعضهم في معنى قوله جل ثناؤه حكاية عن سؤال سليمان ، عليه السلام :
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
[ ص : 35 ] ، أي هب لي المعرفة بك ، حتى لا أرى معك غيرك ، ولا تشغلنى كثرة عروض الدنيا عنك .
وقال بعضهم في معنى قوله :
إِنَّكَ مَيِّتٌ
[ الزمر : 30 ] عن شواهدنا ، ولولا ذاك ما أديت الرسالة ، ولا قمت بسياسة الأمة ، وإنهم ميتون عن شواهد ما أخبرت ، ولولا ذلك ما أطاقوا إقامة الأمر .
وقال يحيى بن معاذ : خاض العارف لجة بحر لا بد له [ معه ] من أحد أمرين ، إما أن يرفع منه إلى « 1 » أعلى عليين ، وإما أن ينزل منه أسفل السافلين .
وقال ابن عطاء في معنى قوله :
إِنَّكَ مَيِّتٌ
[ الزمر : 30 ] ، أي مجالس ميت ، يعنى عن شواهد ما استتر ، وإنهم ميتون عن شواهد ما أظهر « 2 » .
وقال يحيى بن معاذ : أهل الرغبة صيدهم في الأسواق ، وأهل التوبة صيدهم في مجالس الذكر ، وأهل الزهد صيدهم في مجالسة العارفين ، وأهل الإرادة صيدهم من ملكوت العرش ، وأهل المعرفة صيدهم من قرب خالق العرش ، وأنشد :
حسن عبد أحب مولاه * وحسن قلب يصيد معناه
طوبى لمن كان عاشقا دنفا * يشكو إلى ذي الجلال بلواه
يا ذا المعاني عليك معتمدى * طوبى لمن كنت أنت معناه
وقال أبو عثمان المغربي : كل قلب لا يعرف اللّه ، فإنه لا يأنس بذكره ، ولا يسكن إليه ، ولا يفرح به ، ألا ترى إلى قوله :
وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
[ الزمر : 45 ] .
وقال الجنيد : إن أردت أن يكون بينك وبين اللّه معرفة فاحفظ عنى ثلاثا : بع نفسك من اللّه حتى يفعل بك ما يريد ، واحفظ الباطن على رضى الرب ، وانظر في الظاهر على حكم الكتاب والسنة .
وقيل : من عرف مولاه [ أ ] ذهب بلواه ، ومن خالف هواه صحح تقواه ، ومن ترك
هامش
( 1 ) في الأصل : في .
( 2 ) الناس ميتون دون الوصول إلى شواهد ما أظهر فيك من غرائب المعجزات ، وألوان التجليات ، وأنت ميت عن شواهد الذات المستتر المغيب عن كل إدراك .