تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم القلوب — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
أبو الفيض « 1 » ، حقا ما قال ، لكني أقول : لو أبدى اللّه تعالى من نور أهل معرفته ذرة [ ل ] لزاهدين والعابدين لاحترقوا ، واضمحلوا وتلاشوا حتى كأنهم لم يكونوا « 2 » . وقال إبراهيم الخواص : إن العبد إذا تناهى في معرفة اللّه لم يأكل ، ولم يشرب ، ولم يتغوط ، ولا يتبزف ، ولا يتمخط ، وإذا عرق كان عرقه مثل المسك الجبالى . وقيل : العارف يقبل عليك بوجهه ، كأنه لا يعرف غيرك ، ويقوم عنك كأنه لم يعرفك قط ، وهكذا كما قيل في وصف النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقد سئلت عن ذلك عائشة ، رضى اللّه عنها ، فقالت : كان يكون معنا في البيت كأحدكم ، فإذا سمع الأذان قام مسرعا كأنه لم يعرفنا . قال : ولقى حكيم حكيما ، فقال له : بماذا عرفت ربك ؟ قال : بفسخ الأمور ، ونقض العزائم ، ومنع الهمم ، عزمت فحال القضاء بيني وبين عزمي ، وهممت فجاءنى القضاء بخلاف ما هممت به ، فعلمت أن المتولى على قلبي غيرى ، فبهذا عرفت ربى . قال : صدقت . وقال أبو سعيد الخراز في معنى قوله تعالى :
وَنُقَدِّسُ لَكَ
[ البقرة : 30 ] ،
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ
[ الفرقان : 26 ] ، حقيقة الملك لمن هو مستغن أبدا في الملك من جميع المكونات لا يرضيه من حركات العبد شئ ، ولا يغضبه شئ ، جل وتعالى عن ذلك ، وأنشد في معناه :
لو كان يرضيه شئ « 3 » من بريته * لكان إبليس في غايات إدلال أو كان يسخطه من رؤية سبب * لكان أسخطه سحر بإضلال
هامش
( 1 ) لقب ذي النون المصري . ( 2 ) لا خلاف في الحقيقة بين مذهب ذي النون المصري ، ومذهب النهر جورى ، فكل منهما يتحدث عن ذوقه ، وما وصلت إليه مداركه ، لا يقلد غيره ولا يعتمد على ذوق سواه ، كما هو مذهب الصوفية جميعا ، إذ يقولون : لا خير فيك إذا كنت نسخة من غيرك ، فمشرب أبى الفيض ينتهى إلى ما لا يدركه أحد غيره من مجال الوعي الروحي ، بحيث يتهيب أن يتقوم به اللّه خطوة بعد ذلك ، والنهر جورى شهد ما شهد حسب مداركه الروحية ، وحكم بعقله هذا الحكم من حيث نور أهل المعرفة الحقيقية ، وهي معرفة اليقين والتحقيق بالنسبة لمن هم أدنى منهم ، فكيف بالتور العرفاني كله . ولا أدل على مدى الانطلاق الفكري عند الصوفية من هذه المناقشات التي ذخرت بها كتب التصوف المعتبرة . ( 3 ) في الأصل : شئ يرضيه .