فلا رضى ولا سخط يليق به * ولا قبول ولا رد على حال
إن الحقيقة أمر ليس يداركها * أمر الشريعة إلا خطره البال
وقال بعضهم : حقيقة المعرفة إذا عرفت أنه لم يعرف فأنت « 1 » عارف .
وقال أبو يزيد : العارف هو الذي أوله هو ، وأوسطه هو ، وآخره هو .
وقال ابن عطاء في معنى قوله عز وجل :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
[ الفرقان : 45 ] ، قال : حجب الخلق عنه ، وقطعهم عن بلوغ الحقيقة من معرفته ، ومد عليهم ستور الغفلة وحجبها .
وسئل أبو يزيد : بماذا نالوا « 2 » المعرفة ؟ قال : بتضييع ما لهم ، والوقوف مع ما له .
وقال بعضهم في معنى قوله تعالى :
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا
[ الفرقان :
45 ] ، قال : شموس المعرفة هي دلائل القلب إلى اللّه .
وسئل الشبلي : من العارف ؟ قال : من لسانه بذكر اللّه ناطق ، وقلبه بمحبة اللّه صادق ، وسره بموعود اللّه واثق ، وهو أبدا على اللّه عاشق « 3 » ، ثم قال : من لسانه لطيف ، وقلبه نظيف ، ونفسه عفيف ، ودينه كثيف ، وهو بعرفان مولاه شريف .
وقال ابن عطاء في معنى قوله تعالى :
وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
[ النحل : 122 ] ، قال : المعرفة بنا ، والتوكل علينا ،
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
[ النحل : 122 ] الراجعين إلى مقام العارفين ، وأنشد للمحبين :
محب اللّه لا تحويه دار * ولا يأوى مكانا فيه جار
ولا يهتم في الدنيا لرزق * ويكره أن يكون له العقار
ويصبح ذا احتراق واشتياق * كأن فؤاده كانون نار
قد أحرقه الحبيب بكل نار * فليس له من الحب القرار
يقول بحرقة وينوح شجوا * أما والله ما في الحب عار
هامش
( 1 ) في الأصل : فهد .
( 2 ) في الأصل : أنا لداء .
( 3 ) أي عاشق لطريق الوصول إليه ، عاشق لشريعته ، عاشق لتجلياته في الأكوان ، عاشق للخلوة من أجله لا عاشق للذات الأقدس تنزه سبحانه وتبارك ، وعلى هذا كل ما جاء عن الصوفية من غزل في مواجيدهم ، فهم كما ترى أصحاب حساسية ، وشفافية ، وفراسة تختلط الحقائق عندهم بمشاعرهم ، فينطقون في رقة لا تعهد في آداب غيرهم .