تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم القلوب — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
ولا يفتقر ، ولا يذل ، ولا يظلم ، وكذلك أيضا من ظفر بصحبة العارف ، ومن اللّه عليه بذلك ، صار كمثله ، فتدبروا يا أولى الألباب . وقال ذو النون في معنى قوله :
وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا
[ الجن : 3 ] ، يعنى عظمته عن أن يكون إليه سبيل « 1 » إلا به ، ولا يكون إلا ما أحدثه ، بل لا دليل على اللّه سوى اللّه ، ولا أثر بشئ عليه ؛ لأنه أيد الآثار . وقال اللّه تعالى : لا أجعل من علم وجود ما بقي سواي متبرئا من قوته وحوله .
ما إن هبط العارفون مذعرجوا * ولا ابتلوا بالحجاب مذ وصلوا معرفة العارفين جوهرة * تضئ ما دون عرش ربنا الأحد ليس بمرسومة ولا مخلقة * ولا محدودة هو ذا الأبد
وقال ابن عبد اللّه : للعارف ثلاث علامات : لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، ولا يدعى باطنا من العلم ينقضه ظاهر « 2 » من الحكم ، ولا تحمله الكرامات على هتك أستار المحرمات . وقال ذو النون : أما العارفون ، [ ف ] ما ذكروا اللّه إلا بالغفلة ، ولا خدموه إلا في الفترة ، فياعجباه كيف يعرف مقداره عبد غفلته تستوعب ذكر الذاكرين ، وفتوره يستغرق خدمة الخدام من العابدين ، فكيف بأوقات يقظته وساعات نشاطه ؟ . وقال ذو النون : لو أن الخلق عرفوا ذو أهل المعرفة في أنفسهم عند أنفسهم ، لحثوا التراب في وجوههم « 3 » ، وإنما سمى العارف عارفا ؛ لأنه عرف ما لم يعرف غيره ، ورأى ما لم ير سواه ، وأشرف على ما لم يشرف عليه غيره . قال النهر جورى : تذكرت قول ذي النون : الطاهر المقدس ، فقلت « 4 » : يرحم اللّه
هامش
( 1 ) في الأصل : سبيلا . ( 2 ) في الأصل : ظاهرا . ( 3 ) وذلك لغرابة مشرب هؤلاء الفحول من أهل المعرفة ، فالمعروف المتفق عليه بين أهل الأنظار الحكمية ، أن الروح إذا تخلصت من كل عوائقها المادية ، والعقلية ، والمثالية ، فإنها تكون في حال استعداد تام لتلقى الموارد والمعارف الإلهية ، ولا شئ يعوق الروح عن التحليق سوى النفس ، وكلما بالغ طالب المعرفة في إذلالها ، سما في مداركه ، فالعارف يبالغ في إذلال نفسه نزولا ، ليسمو بمداركه خارج الآفاق صعودا ، ولذلك يستغرب العوام مشرب الصوفية الكبار . ( 4 ) في الأصل : فقال .