تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللمع في التصوف — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
يهربون من الخلق أو يأمنون في الجبال والفلوات من شرّ نفوسهم أو يوصلهم الله تعالى بالانفراد والخلوة إلى ما أوصل اليه اوليآءه من الأحوال الشريفة ولا يوصلهم إلى ذلك بين الناس ، وقد غلطوا في ذلك لأن الايمّة من المشايخ الذين قلّ « 1 » طمعهم ودامت خلوتهم وانفرادهم واختاروا العزلة انّما « 2 » حداهم على ذلك ودعاهم اليه داعى العلم وقوّة الحال فورد على قلوبهم ما اذهلهم وشغلهم عن المعارف والأوطان وأخذهم عن الطعام والشراب وجذبهم الحقّ اليه جذبة أغناهم بها عمّن سواه فمن لم يكن مصحوبه قوّة الحال وغلبة الوارد ثمّ يتكلّف ويحمل على نفسه ما لا تطيقه يظلم نفسه فيدخل على نفسه الضرر ولا يدرك ما فاته ويفوته ما معه فمن فعل شيئا من ذلك بتكلّفه ويتوّهم انه قد وصل إلى شئ من مراتب المخصوصين فهو في غلط ، قال ورأيت جماعة من الاحداث كانوا يقلّون الطعام ويسهرون الليل ويذكرون الله تعالى على الدوام حتى كان أحدهم ربّما يغشى عليه وكان يحتاج بعد ذلك إلى أن يدارى ويرفق به ايّاما حتى يقدر ان يصلّى الفريضة ، وجماعة جبّوا أنفسهم وظنّوا انهم إذا قطعوا ذلك سلموا من آفات الشهوة النفسانية ، وقد غلطوا في ذلك لأن الآفات تبدو من الباطن فإذا قطعت الآلة والعلّة موجودة في الباطن لم ينفع ذلك بل يضرّ وتزداد الآفة فمن ظنّ ان الآفة في الآلة الظاهرة ويتخلّص بقطع ذلك من شرّها فهو في غلط ، وقوم هاموا على وجوههم ودخلوا البراري والبوادي بلا زاد ولا ماء ولا آلة الطريق وتوهّموا انهم إذا فعلوا ذلك نالوا ما نال الصادقون من حقيقة التوكّل ، وقد غلطوا في ذلك لأن القوم الذين كان هذا دأبهم كانت « 3 » لهم بدايات وتأدّبوا بآداب وراضوا أنفسهم قبل ذلك بالمجاهدات وكانوا مستقلّين بأحوالهم لم يبالوا بالقلّة ولم يستوحشوا من الوحدة فكم من موتة ماتوا وكم من مرارة ذاقوا حتى استوت أحوالهم في الخراب والعمران والسهل والجبل والجماعة والوحدة والعزّ والذلّ والجوع والشبع والحياة والموت ، فمن فعل شيئا من ذلك وتوهّم انه قد
هامش
( 1 ) . مطعمهمSo text , but probably we should read( 2 ) . حذاهم ( 3 ) . له