قلوبهم من يديّ ، ولا ما ألقيت إليهم من قلوبهم . فهو في مستودعي منها ، لا هو فيها . إنما أنا أتكلم فيها ، وإنما أنا أتحدث فيها .
وقال لي : يا جليس العزيز ! لا تجلس في العز ، ولا تجلس في العزة . إن جلست في العز ، جلست في الهيبة الناطقة ؛ فأثنيت على العزيز بعزه « 1 » . فخرجت من مجالسته إلى مقام من مقامات عبادته - وإن جلست بي في العزة ، جلست في الهيبة الصامتة ؛ فجاء بهوتها ، فأذهلك بعزته ، فخرجت من مجالسة إلى مقام من مقامات الحيرة فيه .
إن جليسي لا يحار في معرفته ، وإن جليسي لا تحار فيه معرفته .
وقال لي : يا جليسي « 2 » ! وقال لي : يا جليس العزيز ! عبرت الأولياء وعبرت الجلساء : فلا هم من خلفك فتستند إلى ولايتهم من ضعفك ؛ ولا هم عن يمينك فتغترف من ولايتهم بمعرفتك ؛ ولا هم عن شمالك « 3 » ، فتعتمد على ولايتهم لما نابك ؛ ولا هم أمامك ، فتقف على مواقفهم أو يرجعون إليك من دوني بمرجع في إمامتهم . أنا أقرب إليك مما تعرفت به إليك ، وأنا أقرب إليك ممن تعرفت إليه . فقف في مقامك منّي ، وانظر إلى كلّ شيء في مقامه بين يديّ . وإذا جاءك الوليّ ، فانظر إليّ كيف جئت به . فإذا قال لك ، فجئني بقوله ، وقف . لا قول عندك من سواي : إن القول سبب من القائل .
56 - موقف ما بدا وما يبدو
وأوقفني فيما بدا ويبدو وقال :
أظهرته بالحكمة الفردانية ، وجئت بالعقل ، فاختلف منه في موضع الأمر والنهي ، وائتلف منه في موضع التسليم . وليس في صفة الحكمة مختلف ولا مؤتلف . والحكمة صفتي . فقل للعقل : لا تطّلع إلى الحكمة فتلوي ببصرك إليك ، وذاك من حكمتها فيك . فتراك ، فتنكر الحكمة ، فيفارقك الحكيم .
وقال لي : قل للعقل : انظر إلى الحكمة ، تؤتك من نورها ؛ واتبع الحكمة ، تشرف بك على نجاتك ، ولا تطّلع إلى سرّ الحكمة ، تحتجب عنك بك ، فتحكم عليها بك ، وهي الحاكمة عليك باللّه . فانظر إلى كلّ شيء : إنه فعلي ، لا يختلف عليك بالضدّ ولا تختلف عليه بالاعتبار .
هامش
( 1 )M: بعزة
( 2 )T: - وقال . . . جليسي
( 3 )M: شمال