وقال لي : قد رأيت الغنيّ وقد رأى فقرك الغنى . ولا عذر لفقرك عندي ، يوم تصحب الفقراء من غناي . إنك إن صحبتهم ، قلت قول الغنيّ ، وأنت فقير ؛ وإنك إن أقمت في مقامك ، قلت قول الغنيّ ، وأنت غنيّ . فجعل الغنى صفة من صفاتك بين يديه .
51 - موقف أدب المجالسة
وأوقفني في أدب المجالسة وقال لي :
ليس في المجالسة ذكر ، ولا في المجالسين ذاكر . إن الجليس ناظر ، لا يرجع ناظره « 1 » ؛ فهم ، لا ينطق فهمه ؛ مدرك ، لا بشيء إدراكه .
وقال لي : انتهت العلوم من المعرفة ، وانتهت عزائم العلوم إلى فرقان المعرفة .
فانتهت العلوم والمعرفة ، بما فيهما ، من عزيمة وفرقان إلى آداب الرؤية ، وانتهت آداب الرؤية إلى آداب المجالسة . فمن عرفها ، رآني بين قلبه وهمّه ، وبين لسانه وكلامه .
وقال لي : الجليس لا يستفتي ، ولا يستأذن ، ولا يستجير ، ولا يسأل ، ولا يستكشف . إن استفتى ، هبط إلى العلم . وإن استأذن ، هبط إلى المعرفة . وإن استجار ، هبط إلى الحاجة . وإن سأل ، هبط إلى الفقر . وإن استكشف ، هبط إلى الإعراض .
وقال لي : عند الجليس من كلّ شيء علم ، ومن كلّ علم ذكر : فهو عبدي الحاوي .
وقال لي : انظر ما ذا يرى الجليس : يرى الأقدار ، ويراني كيف أسوق قدرا قدرا ، ويراني كيف أعيد تلك الأقدار إلى بين يديّ بما أشاء ممّن قدرتها عليه . لأنّني أنا المبدئ المعيد . ويرى اليقين أنوارا بين يديّ - أنوارا عارفة - ويراني كيف أطلع نورا نورا على من أشاء ، وكيف أقرّ منها ما أشاء ، وكيف أرتجع منها ما أشاء ، ويرى « 2 » كلّ علم ، ويرى كلّ جهل ، حتى يرى الهمّ والوهم . فيراني كيف أبعث من ذلك بما أشاء إلى من أشاء ؛ وترى القلوب لا تستقرّ « 3 » إلّا في المجالسة ، وترى الجلساء لا يدومون في المجالسة ، لأن الدوام صفة المجلس ، لا صفة الجليس . وتراهم كيف يدخلون إلى المعرفة - إذا دخلوها - وكيف يدخلون إلى العلم - إذا دخلوه - وتراهم - إذا دخلوا إلى
هامش
( 1 )TM:) cis (( 2 )M: وترى
( 3 )M: يستقر