مبلغهم ، ليفارقوك وتفارقهم . ثم سر إليّ : فما هي بيتك ولا أنت من سواكن بيوتها ، أبد الآبدين . فسرت ، فرأيت العابرين ، ورأيت السائرين .
وفقال لي : إن كلّ عابر عبر من جهة ، وإن كلّ سائر سار من طريق . فالعابرون معهم جهاتهم : فإليها يوجّهون . والسائرون معهم طرقاتهم : فإليها يرشدون . فجزت العابرين ، وجزت جهات العابرين ؛ وجزت السائرين ، وجزت طريق السائرين .
ورأيت الخائفين : فرأيت الخوف . ورأيت الزاهدين : فرأيت الزهد . ورأيت العابدين : فرأيت العبادة . ورأيت العلماء : فرأيت العلم . ورأيت الدعاة : فرأيت الدعاء . ورأيت كلّ صنف : فرأيت الصنف . فقال لي : جز من رأيت ، وجز ما رأيت .
فلن يدعوك قبيل إلّا إلى مقامه ومقيمه الذي أقامه فيه . فإن أجبت العلماء ، دعوك إلى العلم الذي أقامهم فيه . وإن أجبت إلى العلم ، دعاك إلى العلماء الذين وقفوا فيه .
فجزهم أجمعين : إنّهم طريقك ، لا مقصدك ؛ وإنّهم معبرك ، لا موطنك .
فجزت ، فرأيت كلّ شيء ، ورأيت على وجه كلّ شيء معنى كلّ شيء . فاعترض لي كلّ شيء يحاورني وأحاوره « * » . وتعلّق بي كلّ معنى يجاذبني وأجاذبه . فقال لي مولاي : ألق إلى كلّ شيء ما اعترض له منك ، وإلّا لم يصمت عنك . وألق إلى كلّ معنى ما تعلّق به منك ، وإلّا لم يخلّ عنك .
فقلت : لم اعترض كلّ شيء منّي ، حتى ألقيه إليه ؟ وبم تعلّق كلّ معنى منّي ، حتى ألقيه إليه ؟ فقال : تعرّض كلّ شيء لعينك الناظرة إليه ، وتعلّق كلّ معنى بهمّك الطائف به . وكل « 1 » شيء يحاورك لئلا « 2 » تغضّ عنه « 3 » ، فألق النظر إلى كلّ شيء ، فلا تنظر إليه : يصمت عنك . وكلّ معنى يجاذبك ليسكن همّك فيه ، فأخرج الهمّ من قلبك . إنّه إذا لم ير همّك ، لم يجاذبك . فألق النظر وألق الهمّ ، وجز كلّ شيء ، وجز معنى كلّ شيء . فألقيت النظر وأخرجت الهمّ .
فقال : مرحبا بعبدي الفارغ من كلّ شيء . مرحبا بقلب عبدي الفارغ من كلّ شيء . وقال : جزت الكونية ، فأنت بين يديّ . فسمعته يقول : « كن » . فقال لي : جز « كن » ، فإنّها مستمدّ الكونية ، لئلّا يهبط بك عن مقامك . فجزت « كن » ، وبه جزت ما
هامش
( * ) في الأصل : ( يجاورني وأجاوره ) ، ولعلّ الحوار هو الصحيح ، بدلالة ( لم يصمت عنك ) الآتية .
( 1 )K: فكل
( 2 )TM: لأن لا
( 3 )M : noitcudortnI . V