29 - موقف السرّ
وأوقفني في السرّ وقال لي :
لكلّ شيء سرّ : إذا وقفت عليه ، حملته ولم يحملك ، ووسعته ولم يسعك .
وقال لي : للعلم سرّ وللمعرفة سرّ وللحكمة سرّ وللصّبر سرّ وللدنيا سرّ وللآخرة سرّ . فإذا عرفت سرّ الشيء ، لم يأخذك عنّي ولا عنك . وإذا لم تعرف سرّه ، أخذك عنّي وأخذك « 1 » عنك .
وقال لي : سرّ العلم هو طلب العين المسمّاة فيه لأنّها سرّه ، وليس سرّه في يده فيبذله . إنما السرّ وديعة اللّه عزّ وجلّ فيه . فهو يدعو إلى ما لا يستطيع إظهاره وبهذا السرّ يستجاب للعلم في تعلّمه .
وسيأتيك علم الخلق ، فيه أعيان الخلق وصفات الخلق ، فيدعوك إلى تعلّمه طلب ملك الأعيان وملك الصفات . فالعلم لا يظفرك إلّا بالعلم ، وتبقى الأعيان وصفات الأعيان لا تنال بالعلم .
وستأتيك علوم الربّ ، تدعوك إلى الربّ . والربّ لا يظهره علم ولا يستره ، ولا توصل إلى حضرته العلوم . فأنت تستجيب لكلّ علم دعاك بذلك السرّ وهو طلب العين المسمّاة . فإذا علمت ذلك ، لم تستجب للعلم واستجبت للّه ، وصار العلم طريقا من طرقاتك إلى اللّه ، وأخذت العلم به ولم يأخذك لأنّه كان يأخذ منك بالسرّ فيه وأنت لا تعلمه . فلمّا صار السرّ الذي فيه فيك ، أتاك على علم بك وأتيته على علم به .
وقال لي : السرّ في المعرفة رؤية المعروف . والمعروف لا يرى بالمعرفة ، إنّما يرى به ويدعو إلى رؤيته بالمعرفة . فاستجب « 2 » لي : إنّني المعروف الذي دعوت بالمعرفة . فإذا جاءتك ، فأدخلها بي ، تر الأبواب التي فتحت فيها إليّ . فتلج في أبوابي ، فتصل إليّ . فتكون المعرفة عتبة بابك الذي ولجت فيه ولا يدخلها بك ؛ فترى الأبواب التي فتحتها في المعرفة إلى العلوم ، فتلج فيها ، فتخرج من المعرفة .
إن المعرفة ذات بابين : باب إليّ وباب إلى كلّ شيء . فمن دخل إليّ ، كانت
هامش
( 1 )M: أخذ
( 2 )M: فاستجيب