المعرفة جواده ، ومن دخل إلى المعرفة ، خرج بها إلى كلّ شيء : وكانت زلقه « 1 » « * » .
وقال لي : العلوم بيت والمعرفة طريقي في ذلك البيت . فمن سلكه إليّ ، خرج إليّ وكان نقيبا من نقباء الطريق ؛ ومن سلكه إلى سواي ، خرج إلى البيت ، لا إليّ .
وقال لي : قف بين يديّ ، تكن المعرفة نورا من أنوارك ومتحدّثا من متحدثات حجابك . لا حديث لك بين يديّ : أنا أحادثك ! ولا نور لك بين يديّ : إنّما نوري عليك !
وقال لي : من وصل إليّ ، فلا أنساب له في العلوم ولا أنساب له في المعرفة .
إنّما المعرفة تنسب إلى مقامه ، لا إليه ، وإنّما العلوم تنسب إلى مقامه ، لا إليه .
وقال [ لي ] : قل للعارفين : من عبر منكم المعرفة ، فليدع إليّ ، ومن لم يعبر منكم المعرفة ، فلا يدع إليّ . أيدعو إليّ وهو في الطريق إليّ ؟ فإليه دعا ، لا إليّ ! إنّه ما وصل إليّ وبين يديه طريق إليّ .
وقال لي : المعرفة بحر اللّه الذي لا تحتضنه « 2 » السواحل ولا يحتمله القعور : سفائنه كلّ العلوم وسفائنه كلّ الأفكار . سفائن لا تخرج ، لأنه لا ساحل له ، ولا ترسب « 3 » فيه ، لأنه لا قعر فيه . فهي سيّارة لا تستقرّ فيه . فمن ركبها سار فيه ولم يسر عنه .
وقال لي : السرّ في العمل ، حصول الآخرة وبها استجاب العمّال للعمل ومن استجابتهم للعمل ، يختلفون فيه ويفترقون عنه . فالعلم مختلف ، ومن استجاب له ، يختلف باختلافه .
وقال لي : اطّلع إلى سرّ العمل ! وكشف لي عن صفة من صفاته ، وقال لي هذه الصفة معرفة .
وقال لي : اطّلع « 4 » إلى عين « 5 » عمل العاملين كلّه : ما جئتهم أنا به وما جاء به .
فرأيته كلّه لا يفي بمعرفة أدناهم معرفة : لأنّهم بتلك المعرفة عملوا ، ليس بذلك العمل عرفوا .
هامش
( 1 )KM: زلفة
( * ) في الأصل : ( زلفه ) . والزلفى والزلفة : القرب ، ولم أجد في المصادر التي أعرفها : زلف . ولذلك أرجح أن القراءة الصحيحة هي : زلق ، أي مزلق . وبحسب هذه القراءة يكون للمعرفة بابان ، يفضي أحدهما إلى جواد طائر بالمعرفة الربانية ، ويفضي الآخر إلى مزلق يتلاشى فيه العارف بمعرفة كلّ شيء .
( 2 )M: تخضّنه
( 3 )TM: يرسب
( 4 )T: على
( 5 )T: - عين