تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيفية السلوك إلى رب العالمين — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
فعاد الفرح حزنا ، فلمّا كان يوم نوح عليه السّلام وجد العدو سبيلا إلى دخول السفينة ، وذلك أنه مدّ بأذني الحمار ليدخله ، فأخذ العدو بذنبه حتى ملّه نبي اللّه ، فقال : ادخل ولو كنت شيطانا ، فوجد العدو إذنا ، فدخل وسرق العنب ، فلما استوت السفينة على الجودي ، وأخرج نبي اللّه ما فيها ؛ افتقد العنب ، فذهبت الملائكة ، وجاءت بالعدو ، وحضر جبريل عليه السّلام يقضي بينهما . وقال : إنه شريكك ، فتحسر حتى افترقوا على أن للعدو الثلثين ، والثلث لنوح عليه السّلام على شرط أن يغرسه العدو ، فذهب به فغرسه ، وبال فيه اليوم الأول ، وسقاه اليوم الثاني دم كلب ، ويوما آخر دم أسد ، ويوما آخر دم خنزير ، ويوما آخر دم قرد ، فغيرت هذه الدماء ألوانه ، وأعترت شاربه أخلاق السباع ما دامت فيه ، فالبول ستر العقل في الدماغ ، وبهذه يكلب ، ويأسّد ، ويتخنزر ، ويعربد ، ويتقرّد ، ويلعب كالقرد ، فإذا لم ينضج العنب جاء العدو ، فخاضه بيده فيزيد ويسيل ؛ لأنه خلق من النار ، ووجد السبيل إلى معدة شاربه ، وقلبه في صدره ، فامتلأ فرحا بأحواله الدنسة والوحشة ، فطرب ، فحرم - اللّه - تعالى على المؤمنين ذلك . فقال عزّ وجل :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
( 90 ) [ المائدة : 90 ] ، فسمّاه رجسا لمّا خاضها بيده ، ونجّسها بالبول الذي بال في أصلها . ثم قال عزّ وجل :
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
[ المائدة : 90 ] : أي من لماسته إياها ، وخوضها بيده :
فَاجْتَنِبُوهُ
[ المائدة : 90 ] . ثم بيّن ما يصنع الشيطان عند ذلك فقال عزّ وجل :
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ
[ المائدة : 91 ] . فأي داء أدوأ من العداوة والبغضاء ؟ وأي ضرر بأضر من شيء يصدّ عن ذكر - اللّه - تعالى وعن الصلاة ؟ فبيّن ضرره وعلّة تحريمه ، فذكر خصالا ثلاثا كلها تؤدي إلى الهلاك ، فالعداوة والبغضاء بهما خراب دينه ودنياه ، والصدّ عن ذكر اللّه به خراب قلبه ، والصدّ عن الصلاة به خراب جوارحه ؛ لأن العبد إذا صدّ عن ذكر اللّه خلا قلبه عن كل خير ،
كيفية السلوك إلى رب العالمين — صفحة 222 | الحكيم الترمذي / عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى