من المساوئ ، وميّز بينهما ، فإذا شرب الشديد من الشراب المنهي عنه صار سدّا بين العقل والقلب .
وأصل ذلك أن كل حلاوة من الأطعمة والأشربة فأصلها من الفرح ، ولمّا غرس العنب في الجنة ، جرى الفرع من بين الأشجار ذوي الثمر وإلى كل شيء حلو ، فأول ما بدأ آدم عليه السّلام حين دخل الجنة بدأ يأكل العنب .
كذلك روي أن أهل الجنة أول ما يدخلون الجنة يأكلون العنب ، فما زال آدم عليه السّلام يأكل من الأشجار حتى امتلأ فرحا وثمل من الفرح ، فنسى العهد وأغراه العدو ، فحذر اللّه العباد ، وجعلها موعظة واعتبارا لهم ؛ ليحذروا ويعتبروا ؛ كأنه يقول : إني وضعت هذه الأفراح في نفوسهم قسمة بينهم ، فمن فرح بي دام فرحه ، وقرّت عينه وسعد جده ، وأصاب رشده [ . . . . . . ] « 1 » ومن يفرح بفضلي ، ورحمتي عليه من الإيمان والإسلام والطاعة ، وأصاب رشده ، وسعد جده ، وكان على رجاء عظيم من كرامتي .
فالأول : فرح الصديقين ، والثاني : فرح الصادقين .
ومن فرح بالحياة الدنيا وزينتها أخطأ رشده ، وفاته حظه ، ولم ينل بغيته ؛ لأنه لا دوام لها ، واللّه لا يحب الفرحين ، ومن فرح بالأوثان ، والأصنام التي يعبدها دوني فالويل كل الويل له .
ثم أجمل الأحزاب كلها فقال عزّ وجل :
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
[ المؤمنون :
53 ] .
وقال تعالى أيضا :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
( 58 ) [ يونس : 58 ] .
وقال عزّ وجل : « الصديقين بي فافرحوا وبذكري فتنعموا فإني لكم في الدنيا كنز وفي الآخرة ذخر » « 2 » .
فهذا الفرح الذي استخفّ بحلم آدم عليه السّلام حتى نسي العهد ، وذهب العزم ،
هامش
( 1 ) بياض في الأصل .
( 2 ) أورده ابن رجب أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب البغدادي في جامع العلوم والحكم [ 1 / 448 ] .