والخازن إنما أعطي ليخزنه على نوائب الخلق فإذا مات لم يخلفه ورثته ؛ لأنهم ليسوا بأمناء فلا يقومون مقامه ، إلا أن يكون الذي يخلفه نبي ، فهو أمين - اللّه - تعالى من بعده ، وقد قام مقام الأمين الذي مضى ، فهو الذي يرثه .
وذلك قوله تبارك وتعالى :
وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
[ النمل : 16 ] .
فورّثه النبوة والخزانة والملك والسلطان والنعم ، وزيد علم منطق الطير ، وتسخير الريح ، والشياطين .
وروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنما أنا خازن ، وإنما يعطي اللّه من شاء » « 1 » .
وتأسيس أمر النبوة على خلاف أمر العامة ، وإنما فضلوا الخلق بالمعرفة باللّه والعلم به ، وهو : النبوة والانتباه لعظمته وجلاله .
ولما عجزت العامة عن درك ذلك بقلوبها وحجبوا عن ذلك ، أسس أمرهم على العبادة من أداء الفرائض ، واجتناب المحارم ، وانتظار الثواب والجزاء غدا .
والأنبياء والأولياء أسس أمرهم على العبودة من بذل جهد النفوس ورفض الهوى والانقياد لحكمه ، والتذلل لتدبيره ومشيئته ، وانتظار اللقاء غدا ، والوصول إليه في دار الزيادة ، وقد انكشف لهم الغطاء عن ملك - اللّه - تعالى على قدر ما علم - اللّه - تعالى من احتمال قلوبهم وعقولهم لذلك ؛ فصارت الأمور لهم معاينة فهم أهل اليقين .
وبلغنا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ثنتا عشرة خصلة من خصال الأنبياء : كانوا من خوف الفقر آمنين ، ومن الخلق آيسين ، وعداواتهم مع الشياطين ، وعلى الخلق مشفقين ، ولأذى الخلق محتملين ، وفي النفقة موسعين ، وفي موضع الحق متواضعين ، وبأمر اللّه مشتغلين ، وفي موضع العداوة لا يدعون النصيحة ، والفقر
هامش
( 1 ) روى نحوه مسلم في صحيحه ، باب النهي عن المسألة ، حديث رقم ( 1037 ) [ 2 / 718 ] وابن حبان في الصحيح ، ذكر الزجر عن أن يأخذ المرء شيئا من حطام هذه الدنيا . . ، حديث رقم ( 3401 ) [ 8 / 193 ] وروى نحوه غير هما .