تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيفية السلوك إلى رب العالمين — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
من خلقه ، وتفرّد بمننه ، وأن يخرج من زينة اللباس ؛ ليكون بين يديه كهيئة العبد الأسير الذي لا يدري ما يعمل به ، يريد أن يتقدّم إلى مولاه ليتخذه عبدا . ألا ترى إلى قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا » « 1 » . والاتخاذ هو الافتعال مأخوذ من الأخذ أي : يأخذه ، فإذا أخذه أقبل عليه بالعطف وأسباب السعادة ، ولبّى من الميقات إجابة لدعوته ، ولا يؤدي روحانيا إلا بحق ؛ لأنه في تلبية مولاه قد دعاه ، فأجابه حتى تنتهي الدعوة منتهاها ، فسميت هذه الحال منه إحراما ؛ لأنه أحرم عن كل ظلم وأذى بغير حق وعن الزينة والأليف ، فأمر أن يأتي مكانا خارجا من الحرم تجاه البيت فيقف به متنصلا معتذرا يسلّم بدنه إليه طاعة وعبودة معترفا إليه بذلك في ذلك المكان ، فسميت عرفات ، فهو يقف موقف الاعتذار مستأذنا له في إتيان معلمه واللوذان به ، حتى إذا غربت الشمس وجب الإذن فأفاض والإفاضة سرعة القلب وإنصابه كفيض الماء قاصدا لمعلمه ، فحسبته مظالم العباد ؛ لأنه اعتذر إلى اللّه - سبحانه وتعالى - في هذا المقام فقبل عذره وغفر له ، وبقيت تبعات العباد ، فمضى حتى بلغ المشعر الحرام وهو : المزدلفة ، وسميت مزدلفة ؛ لأنه ازدلف إلى ربه زلفة . والزلفة : القطعة ، أي : تقرب إليه قطعة من المسافة التي كانت بينه وبين معلمه ، ومعنى المشعر : شعور القلب بربه في هذا المكان الذي وقف به ثانيا إلى طلوع الفجر ، فاعتذر وتضرّع ورفع إليه فقره وقلة حيلته في شأن التبعات ، فغرها له على أن يرضى عنه أهل التبعات ، فتلك مغفرة أعم من الأولى ، فمضى على إذنه بالأمس ، وإنما حبسه تبعات العباد هاهنا حتى احتاج إلى وقفه ثانية بمعلمه يوم النحر ، فلمّا تخلص من الذنوب ومن تبعات الناس تخلص من الأدناس ، وأسرع في إتيان معلمه ، فلمّا أتى المضيق وجد العدو ، وقد سدّ عليه الطريق حسدا وغيرة ، فأمر أن يرميه ليخسأ ، ففي كل حصاة يرمي ويكبر يخسأ أرضا
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في الكبير ، حديث رقم ( 2889 ) [ 3 / 128 ] ورواه ابن السري في الزهد ، باب التواضع ، حديث رقم ( 797 ) [ 2 / 410 ] ونصه كاملا : « ولا ترفعوني فوق حقي فإن اللّه عزّ وجل قد اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا » .