تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيفية السلوك إلى رب العالمين — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
مظهرا لمن قصد إلى اللّه - تبارك وتعالى - قلبا ، فجاءت شهوات النفس فأظلمت الصدور ، فحالت بين عيني الفؤاد ، وبين عين السير إليه ، والنظر إلى جلاله ، وتشبثت النفس بهذا الطّلل ، فحالت بينه وبين السير إليه ظلمة ، ولا يتخلص من النفس إلا من يجاهدها في اللّه حق جهاده ، فوعد المجاهدين الهداية إلى سبيله . فقال :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت : 69 ] . ففتح لهم السبيل إليه بعد ما أدّى حق المجاهدة ، وصدق اللّه - تعالى - فيها ، وقد بيّنّا شرح هذه المجاهدة في كتاب « صفة القلوب ومنازلها » ، والّذي ترك السير إليه متأخر عن مظهره ، والذي ترك السير إلى معلمه منقطع من رحمته ، فدعا العباد إلى إتيان معلمه ليسلّموا إليه أبدانهم بالعبودة ، فيتخذهم عبيدا ويغفر لهم ، وينيلهم الكرامات ، وينجح لهم الحاجات ، فأول من أجابه أبونا آدم عليه السّلام ، ثم لمّا ذهب رسم البيت زمن الغرق ، ابتعث اللّه - تعالى - خليله عليه السّلام وأمره ببناء الرسم ؛ ليعلم العباد موضعه ، وأمره أن يؤذّن في الناس بالحج ، فأجابه بالتلبية ، فكل من أسلم واستطاع إليه سبيلا ، أوجب عليه أن يأتيه ويظهر إسلامه عند معلمه . والإسلام هو : تسليم النفس إلى اللّه - تعالى - انقيادا وعبودة ؛ ولذلك قيل : حجة الإسلام ، فإذا حجّ مرة بعد أخرى ، فإنما يجدّد في كل مرة تسليما إلى اللّه - تعالى - لأنه كلما أذنب دخل الخلل في تسليمه إليه . فالعاكفون والطائفون حول بيته بدنا ، والعاكفون حول مظهره قلبا ، والوالجون بيته ندبا ، والوالجون مجالس ملكه قلبا ، فدلّ العباد على تجديد الإسلام كلما أخلق بالذنوب ، وانتقضت عراه ، وأمر خليله عليه السّلام بإظهار رسمه ، ثم أمره أن يؤذّن في الناس بالحج ، ثم جرت السّنة والسنة الصورة : صورة الإتيان واللوذان ، فجعل من دونه ميقاتا من كل ناحية إذا أتاه لباه ، فإذا لباه صار محرما ، وأمر أن يخرج من زينته وهو اللباس ؛ لأنه قد قال عزّ وجل :
يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
[ الأعراف : 31 ] . فاللباس زينة الإنسان مخرج من الزينة إلى ما لا بد منه ، وهو الإزار والرداء يستتر بهما ، فإن كان حرّ أو برد ردّ في الاستتار من الحرّ والبرد ، وأمر بأن يجتنب إلفه ، والإلف : كل أثنى من حرّة أو أمة ؛ لأن النساء سكن الرجال ، وإلفهم هكذا خلقن ، فأمر بأن يفارق سكنه وإلفه في المباشرة ؛ لينفرد إلى اللّه - تعالى - فيوحّد