ألا ترى إلى قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قصة هاجر حيث أظهر اللّه زمزم ، فلما ظهر الماء اغترفت ، فجعلت في الوعاء ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لولا أنها اغترفت لكانت زمزم عينا معينا » .
يعني : ماء جاريا ؛ فاغترافها من قبل النفس ، فأمسك الماء عن الجري ، فهذا شأن النفس في كل شيء .
قال اللّه - تعالى - :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
( 103 ) [ التوبة : 103 ] .
فالعبد قد آمن باللّه - سبحانه - ثقة به وتوكّلا عليه ، وأناله المال ليبلوه به ، وينظر ثقته باللّه وتوكّله عليه ، أم ثقته بالمال وتوكّله عليه ، فلما امتحن به ظهرت المحنة على العامة بأن النفس مائلة إلى المال متشبثة به ، حتى صارت من شدة ميلها إليه إلى تضييع الفرائض ، والوثوب في المحارم ، ولهت عن ذكر اللّه - تعالى - وشغلت عن النظر إلى نعمه ومننه ، ودخلها النقص الكثير .
كما قال عيسى عليه السّلام : في المال داء كثير قيل : ما داؤه يا روح اللّه ؟ قال :
يأخذه من غير حقه ، قيل : فإن أخذه من حقه ؟ قال : يضعه في غير حقه ، قيل :
فإن وضعه في حقه ؟ قال : لا ينجو من الفخر والخيلاء ، قيل : فإن نجا من الفخر والخيلاء ؟ قال : يشغله إصلاحه عن ذكر اللّه ، فيقال للمؤمن : هات صدق إيمانك باللّه لتبين ثقتك باللّه وتوكّلك عليه ؛ لأن هذا المال للّه لا لك ، فإذا أعطى المقدار الذي قدره له من ذلك فقد أبرز صدق إيمانه من ذلك فقيل : صدقة ، فسميت صدقة لذلك ، وخرج من دنس الميل عن اللّه - تعالى - بالإعطاء ، فظهر وفارق محبوبه وأليفه ، وهو ذا المال ، فحلّت البركة فيما بقي في يده ، فنما ماله واحتشى بنفسه ، وما فيه من العلم والعقل والخير زيادة ونماء ، فقيل : زكا : أي نما وزاد ، فسميت : زكاة .
قال تعالى :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
( 103 ) [ التوبة : 103 ] ، دنس الميل
وَتُزَكِّيهِمْ بِها
. قال تعالى :
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
. لأنهم يفارقون محبوبا ، فإذا علموا أن دعاءك مقبول ودعوت لهم سكنت نفوسهم إلى عظيم ما أعددت من الثواب