النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ
[ آل عمران : 14 ] .
فهذه أصناف الأموال مزيّنة امتحانا وبلوى ، وشهواتها في نفوس بني آدم ثابت حبها ، فدعاها إلى ما هو خير منها . فقال تعالى :
قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
[ آل عمران : 15 ] .
فمن مال إلى مادعي إليه من داره وجواره سعد ، وكلما مالت النفوس إلى شهواتها فعن اللّه تميل فلا تزداد إلا بعدا ، وكلما ازدادت بعدا انزوت البركة عنها ، فأمرت بالصدقة ، وسميت زكاة .
فأمّا الصدقة فلأن إخراجها من ماله مع بخل النفوس عن محبوبها من صدق الإيمان ؛ فسميت صدقة ، وسميت زكاة ؛ لأنه أدّاها وحمل على نفسه أثقالا بمفارقة ما اشتهته وأحبته ، فنالت من اللّه - تعالى - قربة ، وإذا نالت قربة حلّت البركة بها ، وانبسطت واتسع لها المال والخير الذي يحدث عن المال .
ألا ترى إلى قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما نقصت صدقة مالا قط فتصدّقوا » « 1 » .
لأن البركة حالّة به ، وإذا حلّت البركة فمحال أن تنقص ، لأن أصل البركة في الجنة ، وإنما صرف إلى الدنيا منها شيء يسير ، فأهل الجنة يتناولونها أبدا وهي لا تنقص ، كلما تناولوا منها ثمرة عادت مكانها أخرى ؛ فينكشف لهم هناك غطاء الفؤاد حتى يروه وهاهنا لا ينكشف ؛ لأنهم في دار البلوي .
وروي لنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان بين يديه قدر من تمر ، فجعل يقبض منه ويعطي مرة بعد مرة ، فقال له قائل : يا رسول اللّه ! أراك تعطي ولا ينقص ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أما تقرأ قول اللّه عزّ وجل :
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
[ سبأ : 39 ] » .
ولكن لا ترون الخلف من قلة اليقين ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « فالبركة تورد الخلف في الأشياء حتى لا تنقص » .
فهذه النفوس خائنة لا توقن بوعد اللّه ، ونهمتها تحرم صاحبها البركة .
هامش
( 1 ) رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول في سر العمل وعلانيته ، [ 4 / 88 ] .