تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيفية السلوك إلى رب العالمين — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
للمنفق . وقال في آية أخرى :
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
[ البقرة : 177 ] أي : ليس الصدق هذا الذي تفعلونه ، لكن الصدق أن تؤمنوا باللّه ، إلى قوله :
وَالنَّبِيِّينَ
. ثم قال :
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
، فليس من محبوب إلا ونفسه مائلة إليه ، وذلك عيب عظيم ، ودنس كبير ؛ لأن الميل إلى محبوب النفس إعراض عن اللّه - تعالى - وإقبال على شيء خسيس من خلقه ، فإذا أعطى كان ذلك تطهيرا له وإنما الباقي في يديه ، وإنما ماله من العلم والعقل والحكمة والفهم والخيرات ، وإذا منع ذلك نقمته النفس وانزوت البركة عنه ، فلا يكون في صدره نماء ، ولا في يديه من المال ، وزاغ قلبه . فهذه علة الزكاة .

ذكر علّة مقادير الزكاة

وأمّا علّة مقادير الزكاة ، فمنها علل ظاهرة ، ومنها خفية لطيفة فلا يدركها إلا عيون لاحظة إلى تدبير اللّه - تعالى - وقلوب طالعت الحكمة ، فاستنبطت من ينبوعها الأكبر من قبل أن تنقش في الينابيع التي هي فروع ، فتلك علة عجزت عن فهمها العامة ، وإن شرحت لهم يحيروا فيها ، ولم نكن نشرح لهم . فأمّا العلل الظاهرة ، فمنها : إن أفضل المال وأعلاه مرتبة هو الذهب ، ثم الفضة ؛ وهما أثمان الأشياء ، فجعل في كل أربعين مثقالا مثقال ، وفي كل أربعين درهما درهم ، وفي كل أربعين من الإبل واحد منها في سن ابنة لبون ، وفي كل أربعين من البقر واحدة منها ، وفي كل أربعين شاة شاة ، وذلك لأن الأربعين مقدار له عند اللّه شأن . ألا ترى أنك تجد ذكر هذا المقدار في مواضع كثيرة ، فمن ذلك أن طينة آدم عليه السّلام كانت موضوعة أربعين سنة ، حتى نفخ فيها الروح ، ثم ذريته في الرحم نطفة أربعون يوما ثم دم أربعون يوما ثم مضغة أربعون يوما ، وبين النفختين في الصور أربعون . قال تعالى :
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً
[ الأعراف : 142 ] إلى قوله
أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
[ الأعراف : 142 ] .