تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيفية السلوك إلى رب العالمين — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
إليه ، فمن صام يومئذ في سائر المواطن فقد تشبّه بهم في البروز إليه مانعا نفسه شهواتها ، واهبا نفسه للّه - تعالى - . ومن شأن الوفد أن يغفر اللّه لهم ما مضى ، ويحفظهم فيما بقي ، وكما أخذ هذا الصائم بحظ من هذا اليوم ، فكذلك يعطيه ويكفّر عنه بهذا الصوم سنة قبله وسنة بعده ، والوافد يكفّر عنه بذلك الوقوف جميع السنين قبله ، وجميع ما بقي من عمره . وأمّا علّة الصوم يوم عاشوراء : فإن الدنيا كانت تقرضت من زمن نوح عليه السّلام ، وهلكت بمن فيها ولم يبق إلا سفينته ومن فيها ، وعلا فوق كل شيء أربعين ذراعا من المشرق إلى المغرب ، واستوت السفينة على الجودي يوم عاشوراء ، وسلّم اللّه - تعالى - على نوح عليه السّلام وعلى أمم ممن معه في صلبه وهم : الموحّدون ، وبارك عليه وعليهم . فقال عزّ وجل :
قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ
[ هود : 48 ] . فاستثناهم من الكفار ، ولم يقل : أمم معك ، ولكن قال : ممن معك . وردّ عليهم الدنيا يومئذ مع البركة والسلام ؛ لأنه أمره بالهبوط إلى الدنيا ؛ ليتبوأ هناك مستقرا ، وينمّي ذريته بتلك البركة ، فصام نوح يومئذ وأمر من معه بذلك حتى الوحوش في السفينة ، فمن ذلك اليوم يصوم الوحوش يوم عاشوراء . وقد ذكرنا أن الصوم هو : امتناع من الشهوات ، وهو الزّهادة في الدنيا ، واستقبل اللّه بردّ الدنيا على أهلها استقبالا ، فتلقّاه نوح عليه السّلام ومن معه ، بقبولها مع الزّهادة فيها ، وهو الصوم شكرا للّه عزّ وجل عليه ، فإن من شكر اللّه أن يقبل نعم اللّه - تعالى - لأنها نعم بلوى لا نعم ثواب ، ولأنها نعم دار الغرور لا نعم دار السرور والقرار ، ولأنها دار المقرّ ، فصام يوم عاشوراء زهادة في الدنيا ، ففي كل يوم من الدنيا إذا جاء ذلك اليوم والغبار فيه شكرا للّه ، ففي قبول الدنيا من اللّه على الزهادة فيها وعلى السلامة والبركة من اللّه . ألا ترى إلى قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من وسّع على عياله في يوم عاشوراء وسّع