فهذا موافق لقوله عزّ وجل : « إن تقرّب إليّ عبدي شبرا تقرّبت منه ذراعا » « 1 » شكرا له هذا القدر حيث مال إليه وترك طعامه وشرابه ساعات من النهار حتى يحكي فعله في الملإ الأعلى ، فيقول : « عبدي ترك طعامه وشرابه من أجلي » « 2 » ، ثم يقول : « هذا لي وأنا أجزي به » « 2 » أي : لا أكل ثوابه إلى غيري .
وإنما صارت الأعمال له ، وهذا للّه ؛ لأن نيّته وإضماره على أن يمنع نفسه عادة اعتادها ، وليس هو بفعل الأركان . ثم قال النبي : « للصائم فرحتان : فرحة عند فطره » « 3 » .
فتلك فرحة حلول البركة ، وزكاة الجسد ، وذلك بحلول البركة بفرحه ؛ لأنه قد زال عنه ثقل النفس . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « وفرحة عند لقاء ربه » « 3 » حين يرى ثوابه . فأمر العبد أن يصوم شهرا ، ويصوم بعده ستة من شوال حتى يكون الدهر كله صائما ؛ لأن الحسنة بعشر .
فثلاثون يوم بثلاثمائة سنة ، وستة أيام بستين يوما ، فإذا كان محسوب عمره في الصوم على ما ذكرنا ؛ كانت البركة حالة به جارية عليه ، فمن رغب في تلك السّنة ، فإنما طلب للنفس دوام هذه البركة ؛ ليكون جسده بما فيه زاكيا ناميا .
ذكر علّة صوم يوم عرفة وعاشوراء والاكتحال فيه
وأمّا علّة صوم يوم عرفة : ما ذكر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « كفّارة سنتين سنة قبلها وسنة بعدها ، وصوم يوم عاشوراء كفّارة سنة » « 4 » .
فإن الوفد قد برزوا إلى اللّه - تعالى - واقفين معتذرين إليه في ذلك المشهد العظيم ، قد ألقوا إلى اللّه - سبحانه وتعالى - بأيديهم تسليما مسلّمين نفوسهم
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم . . ، حديث رقم ( 8099 ) [ 6 / 2741 ] ومسلم في صحيحه ، باب فضل الذكر . . ، حديث رقم ( 2675 ) [ 4 / 2067 ] وحديث رقم ( 2688 ) [ 4 / 2068 ] ورواه غير هما .
( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
( 3 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
( 4 ) رواه النسائي في السنن الكبرى ، صوم يوم عرفة . . ، حديث رقم ( 2802 ) [ 2 / 151 ] والبيهقي في السنن الكبرى ، باب صوم يوم عرفة ، حديث رقم ( 8165 ) ورواه غير هما .