شيء قلّت وذلّت ، وصارت مدخولة ، وإذا مالت إلى اللّه - سبحانه وتعالى - بمنعها عادتها وشهواتها ازدادت قربة إليه ، وإذا ازدادت قربه إليه حلت بها البركة ، فإذا حلت البركة زكت وربت ، والزكاة : النمو ، والاحتشاء من الخير والازدياد .
والآدمي خلق أجوف ، ووضع في جوفه الإيمان ، والعلم ، والحكمة ، والعقل ، والفهم ، والسكينة ، والوقار ؛ وهذه كلها جنود القلب ، والرغبة ، والرهبة ، والشهوة ، والغضب ، والمكر ، والحرص ، والجبن ، والبخل في ناحية ؛ وهذه كلها جنود النفس ، فإذا امتنع من عادة النفس ، كان في ذلك بذل النفس للّه - تعالى - والتسليم إليه ، فإذا قبلها زكت بما أعطيت من الإيمان ، والعقل ، والعمل ، وما ذكرنا من الخيرات ، ووفرت فصار هذا الصوم زكاة الجسد .
ألا ترى أن الصائمين كيف يجدون لذة العبادة ، وكيف يجدون نفوسهم ساكنة هادئة ، ومن هاهنا قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصيام » « 1 » .
فإذا صام ؛ حلّت البركة ونما فيه كلّ شيء من الخير ، واحتشى ، وازداد فضلا بحلول البركة ، فإذا امتنعت البركة من هذه الأشياء ؛ بقيت كلها معطّلة لا تعمل شيئا وكأن اللّه - تعالى - جعل هذا الصوم سببا لحلول البركة ؛ فربا وزكا ونما كل خير فيه ، واحتشت النفس من الخير ، وقد عظّم ربنا - تعالى - فعل هذا العبد حيث منع نفسه هذه العادة .
فروي لنا في الخبر أن رسول صلى اللّه عليه وسلم قال : « يقول - اللّه - تعالى : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، عبدي يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي ، وللصائم فرحتان : فرحة عند فطره ، وفرحه حين يلقى اللّه - تعالى - » « 2 » .
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة في السنن ، باب في الصوم زكاة الجسد ، حديث رقم ( 1745 ) [ 1 / 555 ] وابن أبي شيبة في المصنف ، من كان يكثر الصوم . . ، حديث رقم ( 8908 ) [ 2 / 274 ] ورواه غيرهما .
( 2 ) روى نحوه البخاري في صحيحه ، باب هل يقول إني صائم إذا شتم ، حديث رقم ( 1805 ) [ 2 / 673 ] ، ومسلم في صحيحه ، باب فضل الصيام ، حديث رقم ( 1151 ) [ 2 / 807 ] وروى نحوه غيرهما .