إنما تعمل لأنفسها ابتغاء وجهه ترضيّا واستجلابا لنواله ، وكذلك تدبيره الذي وضعه لعباده في الدنيا ، وذلك لو أن أمير المؤمنين بعث رسولا إلى والي بعض ( كور خراسان ) ليذهب به إليه ، فأزعجه بالعجلة فنهضا إليه فكلّما مرّ بكوره مرّ معه وإليها وهم نظراؤه ، شفقة وتحننا عليه ؛ لأنهم لا يدرون ما يكون منه إليه ، فهم يشيعونه على انقياده وذهابا به إليه ويسيرون معه عطفا عليه ، وغياثا له فإذا انتهى إلى أمير خراسان مر به الرسول الذي وجهه أمير المؤمنين انزعج معه أمير خراسان إلى أمير المؤمنين ، فليس مصيره على مصير هؤلاء الآخرين الذين شيعوه ؛ لأن هؤلاء أشكاله ونظراؤه وأمير خراسان هو رئيسهم وفوقهم ، وهو من رجال أمير المؤمنين وخاصته ، يعمل أعماله في مملكته ، فهو يذهب به إلى أمير المؤمنين في صورة الأشكال للرسول الذاهب به ، كأنه يجذبه إليه جذبا .
فأهل المعرفة رجال اللّه - سبحانه - يمشون أمام الجنازة على هذا السبيل ، كأنهم رأوا أن هذا عبد دعاه إلى الملك بسلطان عظيم فهاج ذلك منهم ، فذهبوا به على هذه الصورة من فعلهم ، فهم أبدا على المقدمة وأهل المعرفة أبدا في كل أحوالهم مفارقون لأهل الظاهر في صورة الأعمال فإنه يتصور للورعين المنتبهين عن الآخرة فضائلها وثوابها ، ونوال النفوس هناك ، فهم يقصدون لإخلاصها .
وأمّا العارفون المنتبهون عن اللّه ، فإنه تصور لهم الأمور والأعمال على أساس التدبير وبنيّة ما خرج من غيث المشيئة ورحمة للعباد وكذلك في الاسترجاع في المصيبة فأهل الانتباه عن الآخرة يسترجعون تسليما وانقيادا لحكمه بقوله :
إِنَّا لِلَّهِ
[ البقرة : 156 ] .
ويذكر المرجع لنوال ما وعده من العوض والثواب ، وأهل الانتباه عن اللّه يقولون إنا للّه ملكا ، وإنا إليه راجعون شوقا ، فبذكر الملك وبرؤيته يتلذذون ، وبالشوق إليه يرتاحون عند ذكر المرجع ؛ لأنهم ذاقوا طعم العبودة ، فإذا قالوا :
إِنَّا لِلَّهِ
[ البقرة : 156 ] تلذذوا بهذا القول ، كقول العبد من عبيد الدنيا : أنا للأمير وأنا عبده ، يباهي به سائر العبيد ويفخر عليهم ويصول بذلك :
وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
[ البقرة : 156 ] يتباشرون بالرجوع إليه ، ويتلذذون بذكر المرجع من الشوق إليه ، وكذلك في تشييع الجنازة .