ألا ترى أنه ذكر الفضل فقال : فضل هذا على ذلك ، يكلمهم من طريق الثواب والحساب والميزان ، لا من طريق المعرفة والدرجات ، والتزيّن للّه - تعالى - بالأعمال عبودة له .
فإذا حضرت جنازة فالناس فيها على ثلاث منازل ، فأمّا أهل الغفلة فإما يبغونها ابتغاء ثواب اللّه - تعالى - لما قد علموا أنها في الشريعة مسنونة ، وأن من صلّى على الجنازة فله كذا وكذا ، ومن حثا في قبره فله كذا وكذا .
فهم أهل عجز فيه وتخليط ، يعلمون على العادة والسليقة : أي الطبيعة وعلى ذكر العقاب والثواب ، يحطّون بها عن أنفسهم الذنوب ، ويبنون بها المساكن في الجنان لأنفسهم تمنّيا .
وأمّا أهل الورع والتقوى فهم المنتبهون عن الآخرة دارون ، هذا عبد دعي وقد رفع إلى السيّد مساؤه ولا يدرون ما يصنع به ، فراعهم ذلك فشيعوه إلى بابه ووضعوه بين يديه وتلقوا سلطانه بالثناء ، ثم أمعنوا في الشفاعة له ضارعين ، وإنما شيعوه ، لأن المؤمن حين حضره الموت وأيقن به ، بشّر فأحب لقاء اللّه - سبحانه - وألقى بيده سلما وسلّم نفسه إلى اللّه - تعالى - وانقاد للذهاب له فأخرج روحه ونفسه طيبة بلقاء اللّه - تعالى - .
فأهل الانتباه قاموا مع جسده ليتابعوه على ذلك التسليم إلى ملحده بمنزلة أمير بعث إلى بعض من رفع إليه مساوءه ليأخذه لحبسه ، فلما أخذ انقاد واستسلم فشيعه أهل وده وأقرباؤه إلى باب الملك متنظرين ما يكون منه متابعة له في الانقياد والاستسلام .
وأمّا العارفون المشيّعون فإنهم يشيعونه على غير هذا الوجه ، وذلك أنهم خاصة اللّه - تعالى - ورجاله في أرضه ، وأهل ولايته وحميته وأنصاره ، يغضبون لغضبه ويرضون لرضاه قد زايلتهم أهواء نفوسهم ، فإذا حضروا جنازة فأبصروها تصور لهم كأن سيدهم بعث إلى بعض عبيده ليذهب به إليه ، فإذا حملوا الجنازة كانوا أمامها يعملون للّه - تعالى - عمله ، كأنهم هم الذين يذهبون به إلى اللّه - تعالى - مع الملائكة .
ألا ترى أن الملائكة موضعها في الجنازة أمامها ؛ لأنهم بعثوا أن يذهبوا بهذا العبد إليه ، فرجال - اللّه - تعالى في أرضه وخاصته إنما يعملون للّه تعالى ، والعامة
كيفية السلوك إلى رب العالمين — صفحة 182
مساهمون: الحكيم الترمذي
ص١٨٢