يفتدي ويتقرب فإن الصلاة بذل النفس تسليما ؛ لأنه لما أذنب ارتجع في تسليمه وأخل بمركزه عن مقام العبودة فلما رجع إلى الصلاة جدد تسليمه ، ولذلك أمر هاهنا بالصلاة ليجدد تسلميه ، فكذلك العبد الآبق يرجع من إباقه ثم يفتدي بالفداء من جنايته وكيف يقبل فداؤه . وهو في إباقه لم يسلم نفسه إلى مولاه ؟ ! .
ذكر علّة توالي التكبيرات فيهما
وأمّا علّة توالي التكبيرات فمن أجل أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم كان إذا خرج إلى المصلى شخصت إليه الأبصار لما ركّب اللّه في خلقته من الحسن والجمال والنور والبهاء وحسن التقويم ، وألبسه من المهابة والهيبة ، وألبقه من الحلاوة والملاحة ، وأعطاه من العز والشرف ، فتشخص إليه الأبصار ، فلا تكاد أن تشتفي من النظر إليه فثقل عليه أن تشخص أبصار أهل الغفلة إليه فتشغل به قلوبهم عن الخالق ، فكأنه رأى نفسه سببا لشغل أهل الغفلة فركبته أهوال هذه الحالة ، فلما صار إلى المصلّى فزع إلى الصلاة ثم والى بين التكبيرات ؛ لأن التكبير هو تسليم الكبر إلى اللّه - تعالى - يترضى بذلك مولاه عن عبديه من الغفلة فلا يزال يكبّر حتى يسكن ذلك الغبار على الهول عن صدره فهو صلى اللّه عليه وسلم وإن كان عظيم القدر مستقيم القلب منتصبا بين يدي اللّه في محل عظيم من ملكه وقربته ولا يلتفت قلبه إلى شخوص الأبصار فقد كان يخاف أن يصير مشغلة للخلق عن اللّه - تعالى - فكان يسكن ذلك الغبار : غبار الهول الهائج بتسليم الكبر إلى - اللّه - تعالى .
فلذلك عدّ تكبيره من تسع تكبيرات ، ومرة إحدى عشرة ، ومرة ثلاث عشرة ، وقد أتت به الرواية عن فعله فإنما هذا على قدر بقاء الغبار وسكونه من صدر فلا يزال يكبّر حتى ينجلي فإذا انجلى تخلّى له مقامه بين يديه بقلبه فسكن وأطمأن إلى مقامه .
فهذه علة توالي التكبيرات ، وإنما صاروا إلى التكبير في كل ركعة ؛ لأنه في حال القيام والانتصاب ، وهو في حال الآدميين في نفي الكبر ، فإذا ركع وسجد فتلك حال الخضوع والخشوع ، فكان إذا قام أصابه الهول في حال القيام في الركعتين ، فإذا ركع فذلك فعل خضوع وسكون .
ولذلك كان ابن عباس - رضي اللّه عنهما - يختار أن يبدأ بالتكبير في الركعة الثانية قبل