فضم الأسرار صونها عن الأغيار ، وفتحة القلوب تنقيتها من الكروب بمفاتحات الغيوب ، وكسرة القلوب سجودها عند بغتة الشهود ومفاجآت الالتقاء ، وسكون البواطن سكونها إلى الحق بنعت الاستئناس على وصف الدوام في عموم الأحوال .
وفي المعرب والمبني إشارات أخر :
فالمعرب يتغير آخره باختلاف العوامل .
والمبني ما يكون على صيغة واحدة . . . وكذلك صفات العبد منها ما يقبل التغير والتأثير - وهي ما كان مجموعا بتصرفه وتكلفه ، ومنها ما لا يقبل التحويل والتبديل وهي موضوعات الحق - سبحانه - فيه من أخلاقه ، ويكون ذلك بحسب ما سبق له من أرزاقه ، وكذلك من أحكامه فيما وجب له من سابق أقسامه ، فمن شقي نفذ بالرد قضاؤه ، ولم ينفعه كدّه وعناؤه ، ومن سعد مضى بالقبول حكمه ، فلم يخرجه عن محكوم السعادة جرمه .
ومن أقسام البناء ما يبنى على الكسر ، فصاحبه أبدا مكسور لا ينجبر كسره ، ولا يتغير فقره ، ولا يزول ضره ، ولا يصلح قط أمره ، صباحه بلاء ، ورواحه شقاء ، وجده منكوس ، وحظه مبخوس ، ونجمه منحوس ، وقصده معكوس . . إن ورد نهرا غيض ماؤه ، وإن وجد درّا قرب فقده .
ومن ذلك ما بني على الفتح فصاحبه لا يزول نعيمه ، ولا يبرح مقيمه ، يسطح من البعد نسيمه ، ويسعد على القرب نديمه ، ولا يتكدر بغيبته مشربه ، ولا يتغير - بطول حجبته مذهبه .
الصدر له فارغ وإن أبطأ في حضوره ، والشمس ظلام عند تلألىء نوره ، والبدر يخجل لفجأة « 1 » ظهوره .
ومن ذلك ما بني على الضم ، فصاحبه مرفوع عنه كلفة الاختيار ، غير معاتب على
هامش
( 1 ) الفجأة من الاصطلاحات الصوفية التي استخدمها القشيري في مولفاته ونخص الرسالة القشيرية . قال :
البواده ما يفجأ قلبك من الغيب على سبيل الوهلة . . . ومنهم من يكون فوق ما يفجؤه حالا وقوة .
( الرسالة القشيرية ص 78 ) . وقال : « لما ورد عليهن من شهود يوسف عليه السلام بشكل مفاجىء » ص 79 . وقال : « وقد يرد بسطه فجأة . . . » ( الرسالة ص 59 ) . وقال : « الخشوع قشعريرة ترد على القلب بغتة عند مفاجأة كشف الحقيقة ( الرسالة ص 146 ) .