وإن تردت في جرف فتكسّرت ، عمد إلى ما تكسّر منها ، فجبرها حتى تجبر .
وإن عرضت لها السباع زاد عنها ، وطردها ، وجدها فريسة استلبها من مخالبها وأنيابها ، فداواها حتى تبرأ ؛ فوكل العبد بجوارحه السبع ليحفظها ، حتى لا تتعدّى الحدود .
فإنه إذا تعدّى الحدود ، وعصى اللّه عزّ وجل ، وخان الأمانة ، وظلم نفسه ، سقطت منزلته ، فبعد عن اللّه عزّ وجل ، فإذا بعد عنه تباعد عن الرحمة ، وصار مرفوضا مخذولا ، فأسره العدو ، وذهب به إلى النار .
لأنه إذا أسره العدو ذهبت قوة القلب ، واستولت النفس ، فمرت في كل شهوة جزافا ، فلم تبال حلالا ولا حراما . فهلكت .
فهذا شأن العبد في حفظ الجوارح ، قال اللّه تعالى :
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ
( 8 ) [ المؤمنين : 8 ] .
ثم قال اللّه عزّ وجل :
أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ
( 35 ) [ المعارج : 32 ] .
حدثنا صالح بن عبد اللّه ، حدثنا جرير ، عن ليث ، عن ابن أبي نجيح عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنه ، قال : ( أول خلق اللّه من الإنسان فرجه ، فقال : هذه أمانة خبأتها عندك ، فلا ترسل منها شيئا إلا بحقها ) .
فالفرج أمانة ، والبصر أمانة ، والسمع أمانة ، واللسان أمانة ، واليد أمانة ، والرجل أمانة ، والبطن أمانة .
فإنما بدأ بالفرج ، لأن جميع الأفراج تجتمع عند استعماله ، وهو أقوى اللذات ، وبه دخل النار أهله .
وقيل : يا رسول اللّه ، ما يدخل الناس النار ؟ قال : « الأجوفان : البطن والفرج » « 1 » .
هامش
- شعيرة مسحوقة أو مسحولة أو محكوكة على المبرد بزيت الزيتون أو بالماء ، أخرج السم من جسده بالعرق ، وخلصه من الموت ، وإذا سحق وذرّ على موضع النهشة جذب السم إلى خارج وأبطل فعله ( صبح الأعشى للقلقشندي 2 / 124 - 125 ) .
( 1 ) وروي الحديث بلفظ : « الأجوفان الفم والفرج » ، أخرجه ابن ماجة حديث 4246 ، وأحمد في المسند 2 / 291 ، والحاكم في المستدرك 4 / 324 ، والبغوي في شرح السنة 13 / 80 ، والساعاتي في منحة المعبود 2015 ، وابن كثير في تفسيره 6 / 347 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 7 / 450 ، والسيوطي في الدر المنثور 1 / 221 ، 2 / 75 ، والبخاري في الأدب المفرد 289 ، 294 ، والهيثمي في موارد الظمآن 1923 ، 2546 .