تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢

[ السير ] « 1 »

لطريق هذا العبد إلى دار السلام ، ليس له وراء هذا مسلك وأما الذي راض نفسه وأدّبها ، ومنعها اللذات والشهوات ، حتى طهر قلبه ، واستوجب القربة بطهارة قلبه ، وآثر الفرح باللّه على الفرح بما أورده الهوى على نفسه من أفراح الدنيا ، فتح اللّه عزّ وجل له طريقا إليه ، فسار سيرا لم يلتفت إلى دار السلام . لأنه لما أخذ في الرياضة أخذه بصدق ، فلم يقف في الطريق على شيء مفروح به ، ولو كان أسنى عمل من الأعمال ، لأنه إذا توقّى الفرح بلذات الدنيا وشهواتها ، أمدّ القلب النور ، وهان عليه رفض الشهوات ، حتى إذا انكمش في أعمال البر ، فرح القلب بتلك الأعمال ، ليقطع عن النفس فرحها بذلك العمل ، لأنها إذا فرحت بعمل من أعمال البر ، اطمأنت إلى ذلك العمل . فإذا اطمأنت إلى شيء دون اللّه عزّ وجل ، فقد ترك سيره إليه ووقف على ذلك العمل ، فاقتضى منه صدق ذلك العمل ، وهو أن تجد حلاوة حب الثناء والمدحة لذلك العمل .
هامش
( 1 ) السير عند أهل التصوف نوعان : سير إلى اللّه ، وسير في اللّه . فالسير إلى اللّه له نهاية ، وأهل التصوف يقولون : السير إلى اللّه هو أن يسير السالك حتى يعرف اللّه ، وإذ ذاك يتم السير ، ثم يبتدئ السير في اللّه ، وعليه فالسير إلى اللّه له غاية ونهاية ، وأما السير في اللّه فلا نهاية له . وأهل الوحدة يقولون : السير إلى اللّه هو أن يسير السالك إلى أن يدرك درجة اليقين بأن الوجود واحد ليس أكثر ، وليس ثمة وجود إلا للّه ، وهذا لا يحصل إلا بعد الفناء وفناء الفناء . والسير في اللّه عند أهل التصوف هو أن السالك بعد معرفته لربه يسير مدة حتى يدرك بأن جميع صفات اللّه وأسمائه وعلمه وحكمته كثيرة جدا ، بل هي بلا نهاية ، وما دام حيا فهو دائم في هذا العمل . وأما لدى أهل الوحدة فهو أن السالك بعد إتمام سيره إلى اللّه يستمر في سيره مدة حتى يدرك جميع الحكم في جواهر الأشياء كما هي ويراها . ويقول بعضهم : السير في اللّه غير ممكن ، ذلك لأن العمر قليل ، بينما علم اللّه وحكمته لا تحصى ، وبعضهم يقول : بل هو ممكن ، وذلك أن البشر متفاوتون من حيث استعدادهم ، فبعضهم لما كان قويا فيمكنه أن يدرك جميعها ( كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم 1 / 996 ) .