وكذلك حذر اللّه عزّ وجل عباده فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
[ المنافقون : 9 ] .
ثم قال :
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
[ المنافقون : 9 ] .
فلم يعب المال ، والولد ، وإنما عاب الوله بالمال ، والولد ، لأن الفرح والوله بالمال والوله يلهيه عن ذكر اللّه عزّ وجل ، إذا لم يكن فيه فرح بفضل اللّه ورحمته .
ودعاه الهوى إلى أن يفرح بالمال ، لزينة الدنيا وبهجتها ولذتها ، وبالفرح بالولد ، ليلعب به ويلهو ، ويتزين به ، ويستظهر به ، ويعتضد .
فصار المال ، والولد فتنة لحبه إياهما فلم يحب المال من أجل أنه عون له على طاعة اللّه عزّ وجل ، ولم يحب الولد من أجل أنه غصن من شجرته ، خرج ليعبد مولاه ، فيكون له جاها عند اللّه عزّ وجل بما يعبده ولده ، ولكنه أحبهما للتكاثر ، والتفاخر ، والتعاضد ، تزينا بهما عند أهل الدنيا ، كما قال اللّه عز وجل في تنزيله :
الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا
[ الكهف : 46 ] .
ثم قال عزّ وجل :
وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً
[ الكهف : 46 ] .
فمن أحبها للزينة ، وفرح بها ، كان فرحه للدنيا ، وكان وله قلبه إلى الهوى لا إلى اللّه عزّ وجل .
ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ما تحت أديم السماء إله يعبد من دون اللّه عزّ وجل ، أبغض إلى اللّه عزّ وجل من الهوى » « 1 » .
وقال :
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
[ الفرقان : 42 ] .
فلما اتبعوا الشهوات ، ولم يرضوا نفوسهم انقطعت القلوب عن محل الألوهية إلى الهوى ، ففرحت بما أورد الهوى عليها عن دنياه ، فضاعت الحدود ، وذهبت العبودية ، وخانوا الأمانة ، فماتت قلوبهم عن الحياة بالحي القيوم .
وروي عن مالك بن دينار « 2 » رحمه اللّه قال : مكتوب في بعض الكتاب : ( إن
هامش
( 1 ) أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء 6 / 118 ، والسيوطي في اللآلىء المصنوعة 2 / 173 .
( 2 ) هو مالك بن دينار ، مولى بني ناجية بن سامة بن لؤي بن غالب القرشي ، كنيته أبو يحيى ، من أهل البصرة ، يروي عن أنس بن مالك ، وكان من الزهّاد التابعين والأخيار الصالحين ، كان يكتب المصاحف بالأجرة ويتقوت بأجرته ، وكان يجانب الإباحات جهده ولا يأكل شيئا من -