وإنما خبأه عند عبده ، يعني آدم عليه السلام ، لأنه بدء الفرج ، وهو سر اللّه عزّ وجل مقرون بسر القدر ، لا ينكشف إلا لأهل الجنة فيها ، فأمر بسر العودة لذلك ، لأنه خلق مستور ، خبأه اللّه عزّ وجل عندنا ، وأمرنا بحفظه ، وسماه سوءة ، فحرص العدو على أن يهتك ذلك الستر ، حتى يبدو لنا .
وقبل ذلك كان مستورا عن آدم وحواء عليهما السلام ، وإنما بدأ بالمعصية ، قال اللّه عزّ وجل :
يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما
[ الأعراف : 27 ] .
فإنما صيّر كل جارحة من هذه السبع أمانة عندنا ، لأن كل جارحة ذات شهوة ، ومجمع الشهوات في النفس ، فإذا استعمل هذه الشهوات بإذن اللّه تعالى وبلغ بها الحد الذي حدّه له ، فهو مطلق له .
وإذا تعدّى إلى المحظور صار ملوما ، قال اللّه عزّ وجل :
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ
[ النور : 30 ] .
ثم أثنى عليهم فقال :
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ( 5 ) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
( 6 ) [ المؤمنين : 5 - 6 ] .
فأزال الملامة عن استعماله في نكاح ، أو ملك يمين ؛ ثم قال عزّ وجل :
فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ
( 7 ) [ المؤمنين : 7 ] فذمّ الحد ، وكذلك في كل جارحة على هذه الصفة .
فالراعي يحفظ هذه الأغنام حتى يصلح ما فسد منها ، على ما وصفنا ، فكذلك الذي وقف بمجاهدته على نفسه ، يحفظ جوارحه على الحدود ، في النظر ، والكلام ، والاستمتاع ، والأخذ ، والعطاء ، والبطن ، والفرج ، فإذا غلب أو زل ، أو نسي ، أو غفل ، عاد إلى مركز الطاعة بين يدي اللّه عزّ وجل بالاستغفار والتوبة ؛ فهذا عبد في جهد الاستقامة ، وباطنه غير مستقيم ، لأن شهوات نفسه قائمة بين يديه ، فهو يمنعها بجهد ، ومتى ما غفل عنها زلّ وسقط .