تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
أبرز القلب سلطانه ، فانقادت النفس ، وسلست ، وألقت بيدها سلما وانكمن « 1 » العدو ، واختشى « 2 » . فمن لم يرض نفسه على ما وصفنا ، وأعطاها مناها من الحلال ، وانكمش في أعمال البر مستظهرا به . عجل له ثواب أعمال البر في العاجل نورا ، ففي الصدر ذلك النور ، وليس له من القوة ما يمنع النفس من قضاء النهمة ، فيمضي في الشهوات الحلال بلا نية ، فيتعطل ، ويبقى بلا حسنة ولا أجر ، ومعه فساد الباطن ، من حب الدنيا ، والرغبة ، والرهبة من المخلوقين ، وخوف فوت الرزق ، والخوف ، والحسد ، والحقد ، وطلب العلو ، وطلب العز ، والجاه ، وحب الرياسة ، وحب الثناء والمدحة ، والكبر ، والفخر ، والصلف والغضب ، والحمية وسوء الظن ، والبخل ، والمن والأذى ، والعجب والاتكال على العمل ، ودواه كبيرة . فكم من فعل سئ يظهر على أركان هذا ، ومع هذه الدواهي ، ففساد القلب ، وخراب الصدر من الفرح بالدنيا ، وأحوال النفس كلما ازدادت النفس فرحا بهذه الأشياء ؛ قويت ، واحتدت ، واشتد سلطانها ، حتى تصير شرهة أشرة ، بطرة مستبدة . فإذا هويت شيئا من الشهوات لم يملك القلب من أمرها شيئا ، ولم يتورع عن الحرام . وإن تورع عن الحرام لم يتنزّه عن الفضول ، وإن تنزّه عن الفضول يتناول ما يحتاج إليه غفلة ، وفقد النية والحسبة . فإن تناول بنية وحسبة تناول على فقد ذكر المنة ، وإن تناول على ذكر المنة ، تناول على فقد رؤية المنة ، واللطف ، والبر . فهو أبدا في نقصان ، في أي درجة كان ؛ لأنه محجوب عن اللّه عزّ وجل ، وإنما حجبه عن اللّه عزّ وجل ، فرح بغير اللّه عزّ وجل .
هامش
( 1 ) انكمن : كمن في المكان كمونا : أي توارى واستخفى في مكمن لا يفطن له ( القاموس المحيط « كمن » ) . ( 2 ) اختشى : من الخوف والخشية . وخشاه : خافه ( القاموس المحيط « خشي » ) .