تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
لأن اللّه عزّ وجل أوله قلوب العباد إلى ألوهيته ، فمن صان قلبه عما تورد النفس عليه بقي قلبه مع اللّه عزّ وجل ، في جميع الأحوال ، فهو أبدا واله باللّه عزّ وجل ، والواله تعلق القلب به ، ومن لم يصن قلبه حتى أوردت النفس عليه أفراحها التي أورد عليها الهدى من باب النار ، فقد صار وله قلبه إلى الهوى ، فالصائن أوله قلبه اللّه بأفراحه وحبه ، والتارك للصيانة أوله قلبه الهوى بأفراحه إلى باب النار ولجت تلك الزينة . فالكيس لما أبصر هذا التدبير من اللّه تعالى أنه خلق الآدمي هكذا ، وجعل فيه قلبا ونفسا ، ثم جعل للقلوب محلّا في عظمته ، حتى تسير القلوب إلى ذلك المحل فيكون مقامها هناك حتى إذا صار القلب إلى أن يستعمل جوارحه استعملها بذكره ، معظّما لشأنه ، حافظا لحدوده . حتى إذا سار القلب إلى أن يستعمل جوارحه استعملها بذكره ، معظّما لشأنه ، حافظا لحدوده في جميع حركات جوارحه ، مؤتمرا بأمره ، متناهيا عن نهيه وإن دق ، مراعيا لتدبيره ، راضيا بحكمه . وذلك كله بقوة ما يلاحظه من عظمته ، وجلاله بين يديه ، فيخشاه ، ويتقيه ، ويخافه ، ويرجوه ، ويستحي منه ، ويهابه ، ويعظمه . وخلق بباب النار هذه الأفراح ، والزينة من النار ، وحفت النار بها « 1 » . ثم خلق الهوى وأصله من الشيطان ، فمرّ بهذه الأفراح إلى نفس هذا الآدمي ، حتى تستعمل هذه الأشياء الملائمة لها ، اللينة في ذاتها ، الناعمة لجسدها ، بذلك الفرح . فابتلى عباده بهذين الفرحين : فرح هناك بين يدي عظمته ، ومحله القلوب ، وفرح هاهنا يورده الهوى ، فيزيله الهوى عن ذلك الوله الذي في ذلك المحل ، فيرده من هنا إلى ما هناك . فمن التفت عن ذلك الوله إلى هذا الوله ، حجب عن اللّه عزّ وجل ، ونفي عن الوله ، ورجع قلبه لما رجعت النفس إلى هذا الوله الذي أولهه الهوى فخاب وخسر .
هامش
( 1 ) هو من الحديث الشريف : « حفّت الجنة بالمكاره ، وحفّت النار بالشهوات » ، وقد تقدم الحديث مع تخريجه .