تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
إبليس ، فجاء به الهوى مع العدو إلى هذا الآدمي بهذه الأشياء الدنياوية ليبتليه ، ليفرح بهذا أو يستعمله معرضا لاهيا . أو يقبل على ربه عزّ وجل ، وداره التي مهدت له . فقد قال عزّ وجل في تنزيله :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ
[ آل عمران : 14 ] . ثم ذكر النساء والبنين ، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، والخيل المسومة ، والأنعام والحرث . ثم قال تعالى :
ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
[ آل عمران : 14 ] . فإذا فرح العبد بهذين المزيّن ، الذي قد خلص حب تلك الزينة ، وشهوتها إلى قلبه ، وسماه الفرح . فإنه حسن المآب . فقد وصف اللّه عزّ وجل حسن المآب فقال :
قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ
[ آل عمران : 15 ] ، ثم بيّن لمن هي ، فقال :
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
[ آل عمران : 15 ] فوصفها بما فيها ، ثم بيّن المتقين من هم ، فقال عزّ وجل :
الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ
( 17 ) [ آل عمران : 17 ] . وقال عزّ وجل :
لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
[ المنافقين : 9 ] . فمن شغله الفرح بهذه الزينة ، وملك قلبه حب هذه الشهوات ، فقد ألهاه عن ذكر اللّه عزّ وجل ، وفاتته التقوى ، والصبر ، والصدق ، والقنوت ، وحجزه عن الإنفاق ، ونوّمه عن الاستغفار بالأسحار . فالرائضون راضوا أنفسهم وأدّبوها بمنعها الشهوات التي أطلقت لهم ، فلم يتمكونها من تلك الشهوات إلا ما لا بد منه ، كهيئة المضطر ، حتى ذبلت النفس وطفئت حرارة تلك الشهوات ، ثم زادوها منعا حتى ذبلت ، واسترضت . فكلما منعوها شهوة أتاهم اللّه على منعها نورا في القلب ، فقوي القلب وضعفت النفس ، وحيي القلب باللّه جلّ ثناؤه ، وماتت النفس عن الشهوات حتى امتلأ القلب من الأنوار ، وخلت النفس من الشهوات فأشرق الصدر بتلك الأنوار فجلب على النفس خوفا ، وخشية ، وحياء ، واستولى على النفس وقهرها . فالولايات على النفوس من القلوب بالإمرة التي أعطيت القلوب ، بما فيها من المعرفة ، فعلى حسب تأديب القلب النفس ينال القلب ولاية وسلطانا . فإذا أشرقت الأنوار من القلب في الصدر ، وخلا الصدر من دخان الشهوات ،