تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢

[ الرياضة ] « 1 »

والأكياس بحثوا عن أصل هذه الأمور ، ووجدوه - على ما ذكرنا - ، فخلصوا إلى الرياضة ، فقالوا : إنا لما وجدنا النفس تأشر « 2 » ، وتبطر ، وتستمر على الفرح ، حتى تصير بحال من امتلائها بالفرح بالأشياء ، كالسكران الذي لا يفيق من سكره . فكل شيء نالت من الدنيا من حال أو عرض ، أو حال مطلق لها أو غير مطلق فرحت ، فذلك الفرح سم يجري في العروق حتى يستحل على الجسد ، ويمتلئ القلب من حلاوة ذلك الفرح ، ويصير أشرا بطرا ، لا يذكر موتا ، ولا قيامة ، ولا حسابا ، ولا شيئا من أهوال القيامة . فذلك فرح يميت القلب ، وتستمر النفس عليه ، وتطيب ، وتستوي الشهوة وتحتد ، فهذا فرح مذموم ، ذمّه اللّه عزّ وجل في تنزيه ، فقال :
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ
( 26 ) [ الرعد : 26 ] . وقال تعالى :
لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
[ القصص : 76 ] . ودلّ على الفرح المحمود ، وندب إليه فقال عزّ وجل :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
( 58 ) [ يونس : 58 ] . فإذا فرح العبد بما فضّله اللّه عزّ وجل على سائر العبيد ، فمنّ عليه بالمعرفة والعقل ، فاستنار قلبه ، وطابت نفسه ، فتعاونا على الشكر والحمد ، فاستوجب المزيد ، فقال عزّ وجل :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
[ إبراهيم : 7 ] ، ففرحه بذلك يجب عليه المزيد ، فهذا الفرح ترياق ، وذلك الفرح سم . فمن شرب الترياق لم يضره السم . وإنما صار سمّا لأنه زينة ، وفرح من جنس النار ، وباب النار ، وهو خط
هامش
( 1 ) تقدم التعريف بالرياضة عند الحكماء ، قبل قليل . ( 2 ) أشر : بطر واستكبر ، فهو أشر ( المعجم الوجيز « أشر » ) .