تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠

[ الأكياس ]

فأما الأكياس فراضوا « 1 » أنفسهم ، فأدّبوها ، فامتنعوا من الحلال المطلق لهم ، حتى هدأت جوارحهم ، وإنما هدأت وسكنت لسكون غليان شهوة النفس ، فإذا استعملوها كان القلب أميرا قاهرا ، فاستعمل تلك الشهوة بما يريه العقل ، ويزين له ، ويحد له ، فيؤدب بأدب اللّه عزّ وجل الذي أدّبه . فهناك يملك نفسه أن تقف على الحلال . فلا تجاوزه ، فهو ينطق ، فإذا بلغ في منطقه مكانا يصير ذلك الكلام عليه غيبة أو كذبا ، ملك نفسه ، فامتنع وتورّع . لأن شهوة الكلام قد ماتت منه . فهو يتكلم للّه عزّ وجل ، وابتغاء مرضاته . وكذلك النظر ، إذا كان قد رواض نفسه حتى ماتت منه شهوة النظر ، ملك نفسه عند الحرام ، وملك السمع ، وسائر الجوارح السبع . روي أن سهل بن علي المروزي « 2 » - رحمه اللّه تعالى - كان إذا مشى في السوق حشى أذنيه بالقطن ، ورمى ببصره إلى الأرض ، وكان يقول لامرأة أخيه وهي في الدار معه : استتري مني . وكان ذلك دأبه زمانا ، ثم ترك ذلك ورمى بالقطن ، ورفع بصره إلى الناس ، وقال لامرأة أخيه : كوني كيف شئت ، فذلك منه حيث وجد شهوته ميتة . وروي عن عامر بن عبد قيس « 3 » - رحمه اللّه تعالى - أنه قال : ما أبالي امرأة لقيت أو حائطاّ . .
هامش
( 1 ) راضوا : من الرياضة ، ورياضة النفس عند الحكماء هي الإعراض عن الأعراض الشهوانية ، وقيل : الرياضة ملازمة الصلاة والصوم ومحافظة آناء الليل واليوم على موجبات الإثم واللوم وسدّ باب النوم والبعد عن صحبة القوم . ( كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم 1 / 900 ) . ( 2 ) هو سهل بن علي الزاهد ، من أهل مرو ، صحبه النووي وأخذ التقشف منه ، وكان أوحد زمانه في الورع . ( كتاب الثقات لابن حبان 8 / 290 ) . ( 3 ) عامر بن عبد قيس ، من بني عامر بن عصر ، وكان في الوفد الذي وفد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وهو أخو عمرو بن عبد قيس الذي بعثه الأشجّ ليعلم علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ( الطبقات الكبرى لابن سعد 6 / 85 ) .