تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
بهذه المباينة مشروط بالحصول في الجهة على ما تقرر من مدلولها . والبارىء سبحانه منزّه عن ذلك . ذكره ابن التلمساني في شرح اللمع لإمام الحرمين وقال : « ولا يقال في البارىء مباين للعالم ولا متصل به ، ولا داخل فيه ولا خارج عنه . وهو معنى ما يقوله الفلاسفة أنه لا داخل العالم ولا خارجه ، بناء على وجود الجواهر غير المتحيّزة . وأنكرها المتكلمون لما يلزم من مساواتها للبارىء في أخص الصفات ، وهو مبسوط في علم الكلام . وأما المعنى الآخر للمباينة ، فهو المغايرة والمخالفة ؛ فيقال : البارىء مباين لمخلوقاته في ذاته وهويته ووجوده وصفاته . ويقابله الاتحاد والامتزاج والاختلاط . وهذه المباينة هي مذهب أهل الحق كلهم من جمهور السلف وعلماء الشرائع والمتكلمين والمتصوفة الأقدمين كأهل الرسالة ومن نحا منحاهم . وذهب جماعة من المتصوفة المتأخرين الذين صيّروا المدارك الوجدانية علمية نظرية ، إلى أن البارىء تعالى متحد بمخلوقاته في هويته ووجوده وصفاته . وربما زعموا أنه مذهب الفلاسفة قبل أرسطو ، مثل أفلاطون وسقراط ؛ وهو الذي يعيّنه المتكلمون حيث ينقلونه في علم الكلام عن المتصوفة ويحاولون الرد عليه لأنه ذاتان ، تنتفي إحداهما ، أو تندرج اندارج الجزء ؛ فإن تلك مغايرة صريحة ، ولا يقولون بذلك . وهذا الاتحاد هو الحلول الذي تدّعيه النصارى في المسيح عليه السلام ، وهو أغرب لأنه حلول قديم في محدث أو اتحاده به . وهو أيضا عين ما تقوله الإمامية من الشيعة في الأئمة . وتقرير هذا الاتحاد في كلامهم على طريقين : الأولى : أن ذات القديم كائنة في المحدثات محسوسها ومعقولها ، متحدة بها في المتصورين ، وهي كلها مظاهر له ، وهو القائم عليها ، أي المقوّم لوجودها ، بمعنى لولاه كانت عدما وهو رأي أهل الحلول . الثانية : طريق أهل الوحدة المطلقة وكأنهم استشعروا من تقرير أهل الحلول الغيرية المنافية لمعقول الاتحاد ؛ فنفوها بين القديم وبين المخلوقات في الذات والوجود والصفات . وغالطوا في غيرية المظاهر المدركة بالحس والعقل بأن ذلك من المدارك البشرية ، وهي أوهام . ولا يريدون الوهم الذي هو قسيم العلم والظن والشك ؛ وإنما يريدون أنها كلها عدم في الحقيقة ، وجود في المدرك البشري فقط . ولا وجود بالحقيقة إلا للقديم ، لا في الظاهر ولا في الباطن كما نقرره بعد ، بحسب الإمكان . والتعويل في تعقّل ذلك على النظر والاستدلال ، كما في المدارك البشرية ، غير مفيد ؛ لأن ذلك إنما ينقل من المدارك الملكية ؛ وإنما هي حاصلة للأنبياء