تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
ومحاسبة النفس على الاقتداء في الأخذ والترك ، كما فعله المحاسبي في كتاب الرعاية له ؛ ومنهم من كتب في آداب الطريقة وأذواق أهلها ومواجدهم في الأحوال كما فعله القشيري في كتاب الرسالة ، والسهروردي في كتاب عوارف المعارف وأمثالهم . وجمع الغزالي رحمه اللّه بين الأمرين في كتاب الإحياء ، فدوّن فيه أحكام الورع والاقتداء ، ثم بيّن آداب القوم وسننهم وشرح اصطلاحاتهم في عباراتهم . وصار علم التصوف في الملة علما مدوّنا ، بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط وكانت أحكامها إنما تتلقى من صدور الرجال ، كما وقع في سائر العلوم التي دوّنت بالكتاب من التفسير والحديث والفقه والأصول وغير ذلك . ثم إن هذه المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها غالبا كشف حجاب الحس ، والاطلاع على عوالم من أمر اللّه ، ليس لصاحب الحس إدراك شيء منها . والروح من تلك العوالم . وسبب هذا الكشف أن الروح إذا رجع عن الحس الظاهر إلى الباطن ضعفت أحوال الحس ، وقويت أحوال الروح ، وغلب سلطانه وتجدّد نشؤه ، وأعان على ذلك الذّكر ؛ فإنه كالغذاء لتنمية الروح ، ولا يزال في نمو وتزيّد ، إلى أن يصير شهودا بعد أن كان علما . ويكشف حجاب الحس ، ويتم وجود النفس الذي لها من ذاتها ، وهو عين الإدراك . فيتعرض حينئذ للمواهب الربانية والعلوم اللدنية والفتح الإلهي ، وتقرب ذاته في تحقق حقيقتها في الأفق الأعلى ، أفق الملائكة . وهذا الكشف كثيرا ما يعرض لأهل المجاهدة فيدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم . وكذلك يدركون كثيرا من الواقعات قبل وقوعها ويتصرفون بهممهم وقوى نفوسهم في الموجودات السفلية ، وتصير طوع إرادتهم . فالعظماء منهم لا يعتبرون هذا الكشف ولا يتصرفون ، ولا يخبرون عن حقيقة شيء لم يؤمروا بالتكلم فيه ؛ بل يعدون ما يقع لهم من ذلك محنة ، ويتعوّذون منه إذا هاجمهم . وقد كان الصحابة رضي اللّه عنهم على مثل هذه المجاهدة ، وكان حظهم من هذه الكرامات أوفر الحظوظ ؛ لكنهم لم يقع لهم بها عناية . وفي فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي اللّه عنهم كثير منها . وتبعهم في ذلك أهل الطريقة ، ممن اشتملت رسالة القشيري على ذكرهم ، ومن تبع طريقتهم من بعدهم . ثم إن قوما من المتأخرين انصرفت عنايتهم إلى كشف الحجاب والكلام في المدارك التي وراءه ، واختلفت طرق الرياضة عنهم في ذلك ، باختلاف تعليمهم في إماتة القوى الحسية وتغذية الروح العاقل بالذكر ، حتى يحصل للنفس إدراكها الذي لها من ذاتها بتمام نشوتها وتغذيتها . فإذا حصل ذلك زعموا أن الوجود قد انحصر في
رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 19 | الحكيم الترمذي / إبراهيم شمس الدين