العارف المحقق . ولا بد للمريد عندهم من عقبة الجمع ، وهي عقبة صعبة ؛ لأنه يخشى على المريد من وقوفه عندها ، فتخسر صفقته . فقد تبينت مراتب أهل هذه الطريقة .
ثم إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس ، توغلوا في ذلك ؛ فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إليه ، وملأوا الصحف منه ، مثل الهروي ، في كتاب المقامات له ، وغيره . وتبعهم ابن العربي وابن سبعين وتلميذهما ثم ابن العفيف وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم .
وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الأئمة ، مذهبا لم يعرف لأولهم ؛ فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر .
واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم . وظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب ، ومعناه رأس العارفين . يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة ، حتى يقبضه اللّه . ثم يورّث مقامه الآخر من أهل العرفان . وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب الإشارات ، في فصول التصوف منها ، فقال : « جلّ جناب الحق أن يكون شرعة لكل وارد ، أو يطّلع عليه إلا الواحد بعد الواحد » . وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية ولا دليل شرعي ؛ وإنما هو من أنواع الخطابة ، وهو بعينه ما تقوله الرافضة في توارث الأئمة عندهم . فانظر كيف سرقت طباع هؤلاء القوم هذا الرأي من الرافضة ودانوا به . ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال بعد هذا القطب ، كما قاله الشيعة في النقباء .
حتى أنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ، ليجعلوه أصلا لطريقتهم ونحلتهم ، رفعوه إلى علي رضي اللّه عنه ، وهو من هذا المعنى أيضا . وإلّا فعليّ ، رضي اللّه عنه ، لم يختص من بين الصحابة بنحلة ولا طريقة في لباس ولا حال . بل كان أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما ، أزهد الناس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأكثرهم عبادة . ولم يختص أحد منهم في الدين بشيء يؤثر عنه على الخصوص ، بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين والزهد والمجاهدة .
تشهد بذلك سيرهم وأخبارهم . نعم إن الشيعة يخيّلون بما ينقلون من ذلك اختصاص علي بالفضائل دون من سواه من الصحابة ذهابا مع عقائد التشيّع المعروفة لهم . والذي يظهر أن المتصوفة بالعراق ، لما ظهرت الإسماعيلية من الشيعة ، وظهر كلامهم في الإمامة وما يرجع إليها ما هو معروف ؛ فاقتبسوا من ذلك الموازنة بين الظاهر والباطن وجعلوا الإمامة لسياسة الخلق في الانقياد إلى الشرع ، وأفردوه بذلك أن لا يقع اختلاف كما تقرر في الشرع . ثم جعلوا القطب لتعليم المعرفة باللّه لأنه
رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 24
مساهمون: الحكيم الترمذي
ص٢٤