تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
الحمام ، والكسل عن الإعياء . وكذلك المريد في مجاهدته وعبادته ، لا بد وأن ينشأ له عن كل مجاهدة حال نتيجة تلك المجاهدة . وتلك الحالة إما أن تكون نوع عبادة ، فترسخ وتصير مقاما للمريد ؛ وإما أن لا تكون عبادة ، وإنما تكون صفة حاصلة للنفس . من حزن أو سرور أو نشاط أو كسل أو غير ذلك من المقامات . ولا يزال المريد يترقى من مقام إلى مقام ، إلى أن ينتهي إلى التوحيد والمعرفة التي هي الغاية المطلوبة للسعادة . قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من مات يشهد أن لا إله إلا اللّه دخل الجنة » . فالمريد لا بدّ له من الترقي في هذه الأطوار ، وأصلها كلها الطاعة والإخلاص ، ويتقدّمها الإيمان ويصاحبها ، وتنشأ عنها الأحوال والصفات نتائج وثمرات . ثم تنشأ عنها أخرى وأخرى إلى مقام التوحيد والعرفان . وإذا وقع تقصير في النتيجة أو خلل فنعلم أنه إنما أتى من قبل التقصير في الذي قبله . وكذلك في الخواطر النفسانية والواردات القلبية . فلذا يحتاج المريد إلى محاسبة نفسه في سائر أعماله ، وينظر في حقائقها ؛ لأن حصول النتائج عن الأعمال ضروري وقصورها من الخلل فيها كذلك . والمريد يجد ذلك بذوقه ويحاسب نفسه على أسبابه . ولا يشاركهم في ذلك إلا القليل من الناس ، لأن الغفلة عن هذا كأنها شاملة . وغاية أهل العبادات ، إذا لم ينتهوا إلى هذا النوع ، أنهم يأتون بالطاعات مخلصة من نظر الفقه في الأجزاء والامتثال . وهؤلاء يبحثون عن نتائجها بالأذواق والمواجد ، ليطّلعوا على أنها خالصة من التقصير أولا ؛ فظهر أن أصل طريقتهم كلها محاسبة النفس على الأفعال والتروك ، والكلام في هذه الأذواق والمواجد التي تحصل عن المجاهدات ؛ ثم تستقر للمريد مقاما ، ويترقى منها إلى غيرها . ثم لهم مع ذلك آداب مخصوصة بهم واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم ، إذ الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني المتعارفة . فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف ، اصطلحنا عن التعبير عنه بلفظ يتيسر فهمه منه . فلهذا اختص هؤلاء بهذا النوع من العلم الذي ليس لواحد غيرهم من أهل الشريعة الكلام فيه . وصار علم الشريعة على صنفين : صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا ، وهي الأحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات ؛ وصنف مخصوص بالقوم في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها ، والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها ، وكيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق ، وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك . فلما كتبت العلوم ودوّنت ، وألّف الفقهاء في الفقه وأصوله والكلام والتفسير وغير ذلك ، كتب رجال من أهل هذه الطريقة في طريقتهم . فمنهم من كتب في الورع