مداركها حينئذ ، وأنهم كشفوا ذوات الوجود وتصوروا حقائقها كلها من العرش إلى الطشّ . هكذا قال الغزالي رحمه اللّه في كتاب الإحياء بعد أن ذكر صورة الرياضة .
ثم إن هذا الكشف لا يكون صحيحا كاملا عندهم ، إلا إذا كان ناشئا عن الاستقامة ؛ لأن الكشف قد يحصل لصاحب الجوع والخلوة ، وإن لم يكن هناك استقامة كالسحرة وغيرهم من المرتاضين . وليس مرادنا إلا الكشف الناشئ عن الاستقامة . ومثاله أن المرآة الصقيلة إذا كانت محدّبة أو مقعّرة ، وحوذي بها جهة المرئي ؛ فإنه يتشكل فيه معوجا على غير صورته . وإن كانت مسطحة تشكل فيها المرئي صحيحا . فالاستقامة للنفس ، كالانبساط للمرآة ، فيما ينطبع فيها من الأحوال .
ولما عني المتأخرون بهذا النوع من الكشف ، تكلموا في حقائق الموجودات العلوية والسفلية ، وحقائق الملك والروح والعرش والكرسي وأمثال ذلك ، وقصرت مدارك من لم يشاركهم في طريقهم عن فهم أذواقهم ومواجدهم في ذلك . وأهل الفتيا بين منكر عليهم ومسلّم لهم . وليس البرهان والدليل بنافع في هذه الطريق ، ردّا وقبولا ؛ إذ هي من قبيل الوجدانيات .
تفصيل وتحقيق :
يقع كثيرا في كلام أهل العقائد ، من علماء الحديث والفقه أن اللّه تعالى مباين لمخلوقاته . ويقع للمتكلمين أنه لا مباين ولا متصل . ويقع للفلاسفة أنه لا داخل العالم ولا خارجه . ويقع للمتأخرين من المتصوفة أنه متحد بالمخلوقات : إما بمعنى الحلول فيها ؛ أو بمعنى أنه هو عينها ، وليس هناك غيره جملة ولا تفصيلا . فلنبيّن تفصيل هذه المذاهب ونشرح حقيقة كل واحد منها ، حتى تتضح معانيها فنقول ، إن المباينة تقال لمعنيين .
أحدها المباينة في الحيّز والجهة ، ويقابله الاتصال . وتشعر هذه المقابلة على هذه التقيّد بالمكان : إما صريحا ، وهو تجسيم ؛ أو لزوما وهو تشبيه من قبيل القول بالجهة . وقد نقل مثله عن بعض علماء السلف من التصريف بهذه المباينة ، فيحتمل غير هذا المعنى . من أجل ذلك أنكر المتكلمون هذه المباينة وقالوا : لا يقال في البارىء أنه مباين مخلوقاته ، ولا متصل بها ، لأن ذلك إنما يكون للمتحيزات . وما يقال من أن المحل لا يخلو عن الاتصاف بالمعنى وضده ، فهو مشروط بصحة الاتصاف أولا ، وأما مع امتناعه فلا ؛ بل يجوز الخلو عن المعنى وضدّه ، كما يقال في الجماد ، لا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ولا كاتب ولا أمّي . وصحة الاتصاف