تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
الحيوانية ؛ ثم الفلك يتضمن القوة الإنسانية وزيادة . وكذا الذوات الروحانية والقوة الجامعة للكل من غير تفصيل ، هي القوة الإلهية التي انبثّت في جميع الموجودات كلية وجزئية ، وجمعتها وأحاطت بها من كل وجه ، لا من جهة الظهور ولا من جهة الخفاء ولا من جهة الصورة ، ولا من جهة المادة ؛ فالكل واحد وهو نفس الذات الإلهية ، وهي في الحقيقة واحدة بسيطة ، والاعتبار هو المفصّل لها ؛ كالإنسانية مع الحيوانية . ألا ترى أنها مندرجة فيها وكائنة بكونها . فتارة يمثّلونها بالجنس مع النوع ، في كل موجود كما ذكرناه ؛ وتارة بالكل مع الجزء ، على طريقة المثال . وهم في هذا كله يفرون من التركيب والكثرة بوجه من الوجوه ، وإنما أوجبها عندهم الوهم والخيال . والذي يظهر من كلام ابن دهقان في تقرير هذا المذهب ، أن حقيقة ما يقولونه في الوحدة شبيه بما يقوله الحكماء في الألوان ، من أن وجودها مشروط بالضوء ؛ فإذا عدم الضوء لم تكن الألوان موجودة بوجه . وكذا عندهم الموجودات المحسوسة كلها مشروطة بوجود المدرك الحسي ؛ بل والموجودات المعقولة والمتوهّمة أيضا مشروطة بوجود المدرك العقلي ؛ فإذا الوجود المفصل كله مشروط بوجود المدرك البشري . فلو فرضنا عدم المدرك البشري جملة لم يكن هناك تفصيل في الوجود ، بل هو بسيط واحد . فالحرّ والبرد ، والصلابة واللين ، بل والأرض والماء ، والنار والسماء والكواكب ، إنما وجدت لوجود الحواس المدركة لها ؛ لما جعل في المدرك من التفصيل ، الذي ليس في الموجود ، وإنما هو في المدارك فقط . فإذا فقدت المدارك المفصّلة فلا تفصيل ، إنما هو إدراك واحد ، وهو أنا لا غيره . ويعتبرون ذلك بحال النائم ؛ فإنه إذا نام وفقد الحس الظاهر ، فقد كل محسوس ، وهو في تلك الحالة ، إلا ما يفصّله له الخيال . قالوا : فكذلك اليقظان إنما يعتبر تلك المدركات كلها على التفصيل بنوع مدركه البشري ، ولو قدّر فقد مدركه فقد التفصيل ؛ وهذا معنى قولهم : الوهم ، لا الوهم الذي هو من جملة المدارك البشرية . وهذا ملخص رأيهم على ما يفهم من كلام ابن دهقان ، وهو في غاية السقوط ؛ لأنا نقطع بوجود البلد الذي نحن مسافرون إليه يقينا مع غيبته عن أعيننا ، وبوجود السماء المظلة والكواكب وسائر الأشياء الغائبة عنا . والإنسان قاطع بذلك ، ولا يكابر أحد نفسه في اليقين ، مع أن المحققين من المتصوفة المتأخرين يقولون : إن المريد عند الكشف ربما يعرض له توهم هذه الوحدة ، ويسمى ذلك عندهم مقام الجمع ثم يترقى عنه إلى التمييز بين الموجودات ، ويعبّرون عن ذلك بمقام الفرق ، وهو مقام