بالفطرة ومن بعدهم للأولياء بهدايتهم . وقصد من يقصد الحصول عليها بالطريقة العلمية ضلال . وربما قصد بعض المصنفين ذلك في كشف الموجودات وترتيب حقائقه على طريق أهل المظاهر فأتى بالأغمض فالأغمض .
وربما قصد بعض المصنفين بيان مذهبهم في كشف الوجود وترتيب حقائقه ؛ فأتى بالأغمض فالأغمض ، بالنسبة إلى أهل النظر والاصطلاحات والعلوم . كما فعل الفرغاني ، شارح قصيدة ابن الفارض ، في الديباجة التي كتبها في صدر ذلك الشرح ؛ فإنه ذكر في صدور الوجود عن الفاعل وترتيبه ، أن الوجود كله صادر عن صفة الوحدانية ، التي هي مظهر الأحدية ، وهما معا صادران عن الذات الكريمة التي هي عين الوحدة لا غير . ويسمون هذا الصدور بالتجلي .
وأول مراتب التجليات عندهم تجلي الذات على نفسه ، وهو يتضمن الكمال بإفاضة الإيجاد والظهور ، لقوله في الحديث الذي يتناقلونه : « كنت كنزا مخفيّا ، فأحببت أن أعرف ، فخلقت الخلق ليعرفوني » . وهذا الكمال في الإيجاد المتنزّل في الوجود وتفصيل الحقائق ، وهو عندهم عالم المعاني والحضرة الكمالية والحقيقة المحمدية ، وفيها حقائق الصفات واللوح والقلم وحقائق الأنبياء والرسل أجمعين ، والكمّل من أهل الملة المحمدية . وهذا كله تفصيل الحقيقة المحمدية . ويصدر عن هذه الحقائق حقائق أخرى في الحضرة البهائية ، وهي مرتبة المثال ؛ ثم عنها العرش ، ثم الكرسي ، ثم الأفلاك ، ثم عالم العناصر ، ثم عالم التركيب . هذا في عالم الرّتق ، فإذا تجلت ، فهي في عالم الفتق . انتهى .
ويسمى هذا المذهب مذهب أهل التجلي والمظاهر والحضرات ، وهو كلام لا يقدر أهل النظر على تحصيل مقتضاه لغموضه وانغلاقه ، وبعد ما بين كلام صاحب المشاهدة والوجدان وصاحب الدليل . وربما أنكر بظاهر الشرع هذا الترتيب فإنه لا يعرف في شيء من مناحيه . وكذلك ذهب آخرون منهم إلى القول بالوحدة المطلقة ، وهو رأي أغرب من الأول في تعقله وتفاريعه ، يزعمون فيه أن الوجود له قوى في تفاصيله ، بها كانت حقائق الموجودات وصورها وموادها .
والعناصر إنما كانت بما فيها من القوى ، وكذلك مادتها لها في نفسها قوة بها كان وجودها . ثم إن المركبات فيها تلك القوى متضمنة في القوة التي كان بها التركيب . كالقوة المعدنية فيها قوى العناصر بهيولاها ، وزيادة القوة المعدنية ؛ ثم القوة الحيوانية تتضمن القوة المعدنية وزيادة قوتها في نفسها ؛ وكذا القوة الإنسانية مع
رياضة النفس ( ويليه نحو القلوب ) — صفحة 22
مساهمون: الحكيم الترمذي
ص٢٢