شرح
( إيّاك أعني واسمعي يا جارة .
وكما قيل له :« فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ ، فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ ». ومعلوم انه ليس في شك ؛ فالمقصود من هو في شك من الأمة . وكذلك :« لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ». وقد علم أنه لا يشرك ؛ فالمقصود من اشرك فهذه صفته . فكذلك قيل له :« لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ »وهو معصوم من الذنوب . فهو المخاطب بالمغفرة ، والمقصود من تقدّم من آدم إلى زمانه ؛ وما تأخّر من الأمة من زمانه إلى يوم القيامة : فإن الكل أمته . فإنه ما من أمة إلا وهي تحت شرع اللّه .
وقد قرّرنا ان ذلك هو شرع محمد ، صلى اللّه عليه وسلم ، من اسمه الباطن ، حيث كان « نبيا وآدم بين الماء والطين » . وهو سيد النبيين والمرسلين ، فإنه « سيد الناس » ، وهم من الناس . وقد تقدم تقرير هذا كله .
فبشّر اللّه محمدا ، صلى اللّه عليه وسلم ، بقوله :« لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ »بعموم رسالته إلى الناس كافة . وكذلك قال : « إنّا أرسلناك إلى الناس كافة » .
وما يلزم الناس رؤية شخصه . فكما وجّه في زمان ظهور جسم رسوله عليّا ومعاذا إلى اليمن لتبليغ الدعوة ، كذلك وجه الرسل والأنبياء إلى أممهم من حين كان « نبيا وآدم بين الماء والطين » . فدعا الكل إلى اللّه . فالناس أمته من آدم إلى يوم القيامة . فبشره اللّه بالمغفرة لما تقدم من ذنوب الناس وما تأخر منهم . فكان هو المخاطب ، والمقصود الناس . فيغفر اللّه للكل ويسعدهم . وهو اللائق بعموم رحمته ، التي « وسعت كل شيء » ؛ وبعموم مرتبة محمد ، صلى اللّه عليه وسلم ، حيث بعث « إلى الناس كافة » بالنص . ولم يقل : انا أرسلناك إلى هذه الأمة خاصة ، ولا إلى أهل هذا الزمان إلى يوم القيامة خاصة . وإنما أخبره انه مرسل « إلى الناس كافة » . والناس من آدم إلى يوم القيامة . فهم المقصودون بخطاب المغفرة لما تقدم من ذنب وما تأخر :« وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » *.
لكن ثمّ مغفرة في الدنيا وثمّ مغفرة في القبر وثمّ مغفرة في الحشر وثمّ مغفرة في النار :
بخروج منها وبغير خروج . لكن يستر عن العذاب ان يصل اليه بما يجعل له من النعيم في النار مما يستعذبه ، فهو عذاب بلا ألم .
وقد انتهت سؤالاته ، رضي اللّه عنه . وانتهى ما ذكرنا من الأجوبة عليها من غير استيفاء . وما تركناه من ذلك في الجواب أكثر مما أوردنا بما لا يتقارب . فان الاختصار أولى من الاكثار . إذ باب النطق والإبانة عن حقائق الأمور لا يتناهى . فان علم اللّه أوسع ، فتعليمه لنا لا يقف عند حد . واللّه الموفق لا رب غيره ! » .
( فتوحات ، 2 : 138 - 139 )