شرح
(« بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ». وما من أحد من الأمة إلا وهو مؤمن باللّه . وقد بينا فيما تقدم من هذا الكتاب في باب : « سلمان منا ، أهل البيت » ؛ فأغنى عن الكلام في أهل البيت ، طلبا للاختصار .
قال تعالى ، لما وصف ووصّى أزواج النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، بقوله :« وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ».
ثم أعلمهن ( الأصل : أعلمهم ) ان ذلك كله بكونهن أزواجه ، صلى اللّه عليه وسلم ، حتى لا ينسبن إلى قبيح فيعود ذلك العار على بيت رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم . فببركة أهل البيت وما أراد اللّه به من التطهير بقوله :« إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ »تفعل الأزواج ما اوصيناهن به « ويطهركم تطهيرا » من دنس الأقوال المنسوبة إلى الفحش وهو الرجس ، فإن الرجس هو القذر . فكان أهل البيت أمانا لأزواج رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، من الوقوع في المخالفات ، التي يعود عارها على أهل البيت .
فكذلك أمة محمد ، صلى اللّه عليه وسلم ، لو خلدت في النار ، لعاد العار والقدح في منصب النبي ، صلى اللّه عليه وسلم . ولهذا يقول أهل النار :« ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ »- وهو من دخل النار من أمة محمد ، صلى اللّه عليه وسلم ، التي بعث إليها في مشارق الأرض ومغاربها . فكما طهّر اللّه بيت النبوة في الدنيا بما ذكره مما يليق به ، كذلك الذي يليق بالآخرة ، انما هو الخروج من النار . فلا يبقى في النار موحد ممن بعث اليه رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم . بل ولا أحد ممن بعث اليه يبقى شقيّا ، ولو بقي في النار فإنها ترجع عليه« بَرْداً وَسَلاماً »من بركة أهل البيت في الآخرة . فما أعظم بركة أهل البيت !
فإنه من حين بعث رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، انطلق على جميع من في الأرض ، من الناس أمة محمد إلى يوم القيامة . فالمؤمنون به منهم يحشرون معه ، وغير المؤمنين يحشرون اليه ! وقد أعلم انه ما ارسل« إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ »ولم يقل : للمؤمنين خاصة . وقد قيل له ، لما دعا في الصلاة على رعل وذكوان وعصيّة : « ما بعثك اللّه سبابا ولا لعّانا » أي طرّادا ، اي لا تطرد عن رحمتي من بعثتك اليه ، وان كان كافرا ؛ وانما بعثتك رحمة وهو قوله :« وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً ».
فإذا حشروا اليه ، وهم أمته ، وهو بهذه المثابة من الرحمة التي فطر عليها والرحمة التي بعث بها ، فيرحم منهم من يقتضي ذلك الموطن ان يرحم : فإنه حكيم . والذي لا يقتضي ذلك الموطن ان يرحمه ، يقول فيه : سحقا ! سحقا ! أدبا مع اللّه ، حتى يتجلى الحق في صفة غير تلك الصفة مما يقتضي الاسعاف في الجميع . فعند ذلك تظهر بركته ورحمته ، صلى اللّه عليه وسلم ، فيمن بعث إليهم بما يرحمهم اللّه به ويتقلهم من النار إلى الجنان ، ومن حال الشقاء إلى حال السعادة ، ان كانوا مخلّدين في النار .
فان الحكم يقضي بحكم الموطن كرجل مقرّب عند مليك رأى الملك في حال غضب على عبد من عبيده . فلا ينبغي له في الأدب ان يشفع فيه في تلك الحال . ولكن ينبغي له ان يقول :