شرح
( انهم به لا بهم . فيرونه فيهم ولا يرونهم . فيعلمون« ما أُخْفِيَ لَهُمْ »فيهم« مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ».
فتقر عيونهم بما شاهدوه . ويعلمون ان« اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ »بهم في كل نظرة . وهو مزيد العلم الذي امر بطلبه ، لا علم التكليف ؛ فان النقض منه هو مطلوب الأنبياء ، عليهم السلام . ولهذا كان رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، يقول : « اتركوني ما تركتكم » .
وقوله : « لو قلت : نعم ، لوجبت وما كنتم تطيقونها » .
وإذا نظر إلى قلوبهم ، قلب الوحي فيهم بحسب ما تقلبوا فيه . فلكل حال يتقلبون فيه حكم شرعي ، يدعو اليه هذا النبي . وسكوته عن الدعوة شرع : اي ابقوا على أصولكم .
وهذا هو الوحي العرضي ، الذي عرض لهم . فان الوحي الذاتي ، الذي تقتضيه ذواتهم ، وهو انهم يسبحون بحمد اللّه - لا يحتاجون في ذلك إلى تكليف . بل هو لهم مثل النفس للمتنفّس . وذلك لكل عين على الانفراد . والوحي العرضي هو لعين المجموع . وهو الذي يجب تارة ولا يجب تارة ؛ ويكون لعين دون عين .
وهو على نوعين . نوع يكون بدليل انه من اللّه ، وهو شرع الأنبياء . ومنه ما لا دليل عليه ، وهو الناموس الوضعي ، الذي تقتضيه الحكمة ، يلقيه اللّه تعالى من اسمه « الباطن الحكيم » ، في قلوب حكماء الوقت ، من حيث لا يشعرون . ويضيفون ذلك الالقاء إلى نظرهم ، لا يعلمون انه من عند اللّه على التعيين . لكنهم يرون ان الأصل من عند اللّه فيشرعونه لمتبعهم من أهل زمانهم ، إذ لم يكن فيهم نبيّ مدلول على نبوته . فإن هم قاموا بحدود ذلك الناموس ، ووقفوا عنده ، ورعوة - جازاهم اللّه على ذلك بحسب ما عاملوه في الدنيا والآخرة ، جزاء الشرع المقرر ، المدلول عليه :« فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها »فيما ابتدعوه من الرهبانية .
- « ومن سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها » . وان اللّه يصدق قول واضع الناموس الحكمي كما هو مصدق واضع الناموس الشرعي الحكمي .
فأما جزاؤه في الدنيا ، فلا شك ولا خفاء بوقوع المصلحة ووجودها في الأهل والمال والعرض . وأما الآخرة ، فعلى هذا المجرى ؛ وان لم يتعرض إليها صاحب الناموس الحكمي .
كما أنه في ناموس الحكم الإلهي ، ان في الآخرة لنا « ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . ويحصل لنا من غير تقدم علم به . كذلك الحاصل في الآخرة جزاء لعمل الناموس الذي اقتضته الحكمة عند من ابتدعه للمصلحة .
فان قال في ناموسه : قال اللّه ، ويكون ممن قد علم أنه مظهر وان لا موجود على الحقيقة إلا اللّه - صدق وعفا اللّه عنه . وان كان من أهل الحجاب عن هذا العلم ، فأمره إلى اللّه . وهو بحسب قصده في ذلك . فإنه قد يقصد الرياسة وتكون المصلحة في حكم التبع . وقد يقصد المصلحة وتكون الرياسة تبعا . وهذا الكلام لا يتصور إلا مع عدم الشرع