تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ختم الأولياء — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
شرح
( ا لا ترى ما هو محال لنفسه هل يقبل شيئا مما يقبله الممكن ؟ فبنفسه تمكن منه الواجب الوجود بالايجاد فأوجده . وهذه هي الاغانة الذاتية . ألا ترى الحجر إذا رميت به علوّا ؟ فيقال : ان حركة نحو العلو قهرية ؛ لان طبيعته النزول إما إلى الأعظم وإما إلى المركز . فلولا ان طبيعته تقبل الصعود علوّا بالقهر - لما صعد . فما صعد الا بطبعه أيضا ، مع سبب آخر عارض ، ساعده الطبع بالقبول لما أراد منه . فالقبضة على الحقيقة ، قوله : « واللّهبِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ». ومن أحاط بك فقد قبض عليك . لأنه ليس لك منفذ مع وجود الإحاطة . وإلا فليست إحاطة وما هو محيط . وصورة ذلك ، انه ما من موجود سوى اللّه ، من الممكنات ، إلا وهو مرتبط بنسبة الاهية وحقيقة ربانية ، تسمّى أسماء حسنى . فكل ممكن في قبضة حقيقة الاهية : فالكل في القبضة . واعلم أن القبضة تحتوي على المقبوض بأربعة عشر فصلا وخمسة أصول . عن هذه الأربعة عشر فصلا ظهر نصف دائرة الفلك ، وهي اربع عشرة منزلة . وفي الغيب مثلها . وهذه الفصول تحوي جميع الحروف ، إلا حرف الجيم ، فإنها تبرّأت منه دون سائر الحروف . وما علمنا لماذا ؟ وما أدري ، هل هو مما يجوز ان يعلم أم لا ؟ فان اللّه تعالى ما نفث في روعنا شيئا ولا رأيته لغيرنا ولا ورد في النبوات . فرحم اللّه عبدا وقف عليه فألحقه في هذا الموضع من كتابي هذا ، وينسب إليه لا اليّ فتحصل الفائدة بطريق الصدق ، حتى لا يتخيل الناظر فيه ان ذلك مما وقع لي بعد هذا . فان فتح عليّ به حينئذ ، اذكره أنه لي ؛ فان الصدق في هذا الطريق أصل قاطع ، لا بد منه ولا حظّ له في الكذب . وهذه الخمسة الأصول متفاضلة في الدرجات . فأعلاها وأعمّها هو العلم ؛ وهو الأصل الوسط . وعن يمينه أصلان : الحياة والقدرة ؛ وعن يساره أصلان : الإرادة والقول . وكل أصل فله ثلاثة فصول ؛ إلا أصل القدرة فان له فصلين خاصة . وانما سقط عنه الفصل الثالث ، لان اقتداره محجور ، عير مطلق . وهو قول العلماء : « وما لم يشأ ان يكون ، ان لو شاء ان يكون - لكان كيف يكون » . فعلّق كونه به « لو » فامتنع عن نفوذ الاقتدار عليه لسبب آخر ، فلم يكن له النفوذ . وهذا موضع إبهام ، لا يفتح ابدا . ومن هنا وجد في العالم الأمور المبهمة . لأنه ما من شيء في العالم إلا وأصله من حقيقة الاهية . ولهذا وصف الحق نفسه بما يقوم الدليل العقلي على تنزيهه عن ذلك . فما يقبله إلا بطريق الايمان والتسليم . ومن زاد فبالتأويل على الوجه اللائق في النظر العقلي . وأهل الكشف ، أصحاب القوة الإلهية ، التي وراء طور العقل ، يعرف ذلك كما تفهمه العامّة . ويعلم ما سبب قبوله لهذا الوصف مع نزاهته ب« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ». وهذا خارج عن مدارك العقول بافكارها . - فالعامّة في مقام التشبيه ؛ وهؤلاء في التشبيه والتنزيه ؛ والعقلاء في التنزيه خاصّة . فجمع اللّه الأهل خاصّته بين الطرفين .
ختم الأولياء — صفحة 296 | الحكيم الترمذي / عثمان اسماعيل يحيى