تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ختم الأولياء — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
شرح
( ولهذا يوصف هذا النور بان له أشعة اي انه شعشعاني ، لامتداده من الحق إلى عين الممكن ليكون مظهرا له - بنصب الهاء ، لا اسم فاعل - فإذا جمع من هذه صفته بين المتضادات في وصفه ، فذلك هو صاحب الحب الإلهي . فإنه يؤدّي إلى الحاقه بالعدم عند نفسه ، كما هو في نفس الأمر . فعلامة الحب الإلهي ، حب جميع الكائنات في كل حضرة معنوية أو حسية أو خيالية أو متخيلة . ولكل حضرة عين من اسمه « النور » تنظر بها إلى اسمه الجميل . فيكسوها ذلك النور حلّة وجود . - فكل محب ما أحب سوى نفسه . ولهذا وصف الحق نفسه بأنه يحب المظاهر . والمظاهر عدم في عين . وتعلق المحبة بما ظهر ؛ وهو الظاهر فيها . فتلك النسبة بين الظاهر والمظاهر هي الحب . ومتعلق الحب انما هو العدم . فتعلقها هنا الدوام . والدوام ما وقع ، فإنه لا نهاية له : وما لا نهاية له لا يتصف بالوقوع . ولما كان الحب من صفات الحق ، حيث قال : « يحبهم » ومن صفات الخلق ، حيث قال : « ويحبونه » - اتصف الحب بالعزة لنسبته إلى الحق ووصف الحق به . وسرى في الخلق بتلك النسبة العزّتية . فأورثت في المحل ذلة من الطرفين . فلهذا ترى المحب يذل تحت عز الحب لا عز المحبوب . فان المحبوب قد يكون مملوكا للمحب مقهورا تحت سلطانه ، ومع هذا تجده يذل له المحب . فعلمنا ان تلك عزة الحب لا عزة المحبوب . قال أمير المؤمنين . هارون الرشيد ، في محبوباته :ملك الثلاث الآنسات عناني * وحللن من قلبي بكل مكان مالي تطاوعني البرية كلها * وأطيعهن وهنّ في عصياني ؟ ما ذاك إلا أن سلطان الهوى * وبه قوين أعز من سلطاني !- فأضاف القوة إلى الهوى ، بقوله : « سلطان الهوى » . يقول اللّه في غير ما موضع من كتابه ، متلطّفا بعباده : « يا عبادي ! اشتقت إليكم وانا إليكم أشد شوقا » . ويخاطبهم بنزول من لطف خفي . وهذا الخطاب كله لا يتمكن ان يكون منه إلا من كونه محبّا . ومثل ذلك يصدر من المحبين له ، تعالى ! فالمحب في حكم الحب ، لا في حكم المحبوب . ومن هي صفته عينه فعينه تحكم عليه ، لا أمر زائد . فلا نقص . غير أن أثره في المخلوقين التلاشي عند استحكامه ، لأنه يقبل التلاشي . فلهذا يتنوع العالم في الصور . فيكون في صورة ، فإذا افرط فيها الحب ، من حيث لا يعلم ، وحصل التجلّي ، من حيث لا يظهر - تلاشت الصورة وظهرت في العين صورة أخرى . وهي أيضا مثل الأولى في الحكم ، راجعة اليه ، ولا يزال الامر كذلك ، دائما لا ينقطع . - ومن هنا غلط من يقول : ان العالم لا بد له من التلاشي ، ومن نهاية علم اللّه في العالم ، حيث وصف نفسه بالإحاطة في علمه بهم .
ختم الأولياء — صفحة 291 | الحكيم الترمذي / عثمان اسماعيل يحيى