شرح
( يؤيد هذا في السنة ، وهو قوله : « كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن اعرف ، فخلقت الخلق وتعرفت إليهم فعرفوني » . فأخبر ان الحب كان سبب ايجاد العالم . فطابق الأسماء الإلهية .
ولولا تعشق النفس بالجسم ، ما تألم عند مفارقته مع كونه ضدا له . فجمع بين المقادير والأحوال لوجود النسب والاشكال . فالنسب أصل في وجود الانساب . وان كانت الأرواح تخالف الأشباح ، والمعاني تخالف الكلمات والحروف . ولكن تدل الكلمة على المعنى بحكم المطابقة ، بحيث لو تجسّد المعنى لما زاد على كميّة الكلمة . - ومثل هذا النوع يسمى حبّا .
واما الحب الروحاني ، فخارج عن هذا الحد ، وبعيد عن المقدار والشكل . وذلك ان القوى الروحانية لها التفات نسبي . فمتى عمّت النسب في الالتفاتات ، بين المحب والمحبوب ، عن نظر أو سماع أو علم - كان ذلك الحب . فان نقص ولم تستوف النسب لم يكن حبّا . - ومعنى النسب ، ان الأرواح ، التي من شانها ان تهب وتعطى ، متوجهة على الأرواح التي من شأنها ان تأخذ وتمسك . وتلك تتألم بعدم القبول . وهذه تتألم بعدم الفيض ، وان كان لا يتعدم ؛ إلا أن كونه لم تكمل شروط الاستعداد والزمان ، سمى ذلك الروح القابل عدم فيض ؛ وليس بصحيح . فكل واحد من الروحين مستفرغ الطاقة في حب الآخر . فمثل هذا الحب إذا تمكن من الحبيبين ، لم يشك المحب فرقة محبوبه لأنه ليس من عالم الأجسام ولا الأجساد ، فتقع المفارقة بين الشخصين ؛ أو يؤثر فيه القرب المفرط ، كما فعل في الحب الطبيعي .
فالمعاني لا تتقيد ولا تتحيز ؛ ولا يتخيلها الا ناقص الفطرة فإنه يصور ما ليس بصورة .
وهذا هو حب العارفين ، الذين يمتازون به عن العوام أصحاب الاتحاد . فهذا محب أشبه محبوبه في الافتقار ، لا في الحال والمقدار . ولهذا يعرف المحب قدر المحبوب من حيث ما هو محبوب .
واما الحب الإلهي ، فمن اسمه « الجميل » و « والنور » . فيتقدم النور إلى أعيان الممكنات فينفر عنها ظلمة نظرها إلى نفسها وامكانها ، فيحدث لها بصرا هو بصره ، إذ لا يرى الا به . فيتجلى لتلك العين بالاسم « الجميل » . فتعشق به . فيصير عين ذلك الممكن مظهرا له . فيبطن العين من الممكن فيه ، وتغني عن نفسها فلا تعرف انها محبة له ، سبحانه ! أو تفني عنه بنفسها ، مع كونها على هذه الحالة ، فلا تعرف انها مظهر له ، سبحانه ؛ وتجد من نفسها انها تحب نفسها . - فان كل شئ مجبول على حب نفسه . وما ثمّ ظاهر إلا هو في عين الممكن . فما أحب اللّه إلّا اللّه ! والعبد لا يتصف بالحب ، إذ لا حكم له فيه ، فإنه ما أحبه منه سواه ، الظاهر فيه . وهو الظاهر . فلا تعرف أيضا انها محبة له . فتطلبه وتحب ان تحبه ، من حيث إنها ناظرة إلى نفسها بعينه . فنفس حبها ان تحبه هو بعينه حبّها له .